بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق النفس وسوّاها، وفطر القلوب على المحبة والرعاية، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد:
ليس خطرٌ أعظم من خطرٍ لا يُرى، وفاجعة لا تسمع إلا بعد فوات الأوان، وإن في بيوتنا أزمةٌ صامتة، تنمو بصمت، وتكبر كل يوم دون أن نشعر.
نعيش مع هذه الأزمة في سقفٍ واحد، لكنّ أرواحنا في بعدٍ لا يُقاس، وأحاديثنا لا تتجاوز الأوامر والنواهي، دون أن نمنح لحظة إصغاء، أو نظرة احتواء.
أتحدث إليكم اليوم عن مرحلة من أعقد المراحل، وأخطر المنعطفات، صوتٌ لا نسمعه، ووجعٌ لا ننتبه له، إنه صوت المراهق، ذاك الذي لا يزال بين الطفولة والرجولة، بين الاندفاع والحيرة، بين التمرّد والبحث عن ذات، حديثنا اليوم عن مرحلةٍ قلّ من ينتبه لخطرها، ويقدّر حساسيتها، إنها مرحلة المراهقة، بين الاثنتي عشرة سنة إلى العشرين سنة، ذلك المنعطف الحادّ في حياة الأبناء، الذي تبدأ فيه العواصف النفسية بالتكوّن، والتغيرات الجسمية والعقلية بالظهور، وتعلو فيه الأسئلة، وتكثر فيه الأخطاء.
إنها مرحلة يصرخ فيها المراهق بصمت: "افهموني، ولا تحاسبوني فقط"
ولكن يا للأسف، كثير من الآباء يظنون أن أبناءهم في هذه المرحلة ما زالوا أطفالًا، أو يعاملونهم وكأنهم خصومٌ يتمردون عن طاعتهم، فيكون الرد عنيفًا، والقلب مغلقًا، والجفاء سيد الموقف.
عباد الله، المراهق لا يريد أن يُهمل، ولا أن يُؤذى، لكنّ في داخله صراع، بين حاجته إلى الاستقلال، وبين خوفه من السقوط.
هو لا يتمرّد من أجل العناد، بل يبحث عن ذاته، ويتلمّس طريقًا يتوه فيه إن لم يجد يدًا حانية ترشده.
فمن الخطأ أن نغفل عن هذه المرحلة، أو نعتقد أن التربية فيها تعني فقط التوبيخ، أو كثرة النصح، أو فرض السيطرة.
التربية في هذه المرحلة تعني:
إن ترك الأبناء في هذا السن دون متابعة أو اهتمام، يُعد تفريطًا جسيمًا، فالمراهق إن لم يجد صدرًا يسمعه، سيلجأ إلى صدور الغرباء، في مجاهيل الإنترنت، أو سراديب الظلمة، وكم من ضياع بدأ برسالة جوال.
وكم من انحراف بدأ بصحبة لم يُحاسِب عليها أحد.
والرسالة إلى كل أب وأم، لا تظنوا أننا معذورون إن أضاعت أيدينا أمانةَ الله، فربما يتسلل إلى قلوب أبنائنا ما يُبعدهم عن دينهم، أو يُوقعهم في شرو المخدر والمدمر، أو يدفعهم نحو علاقات مشبوهة، فقط لأننا كنا غائبين وكان غيرنا من أهل الشر حاضرين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيّته".
ولنتأمل أحوالنا في تعاملنا مع ولد مراهق أو بنت مراهقة: هل كنّا رعاة بالحب والتربية؟ أم بالحساب والعقوبة؟ هل كنّا قريبين من أبنائنا؟ أم كنا نراهم فقط حين نُعاتب ونؤدب؟
هل عرفنا ما يشغلهم؟ ما يخيفهم؟ ما يتمنّونه؟ أم كنا نظن أن السؤال ضعف، والمصارحة تفاهة؟
عباد الله. إن من أخطر ما نفعله في هذه المرحلة أن نُبعد أبناءنا عنا، أن نجعلهم يرون فينا الخصم لا السند،
أن نتعامل معهم وكأنهم في معركة، لا في مسيرة نُرشدهم فيها خطوة بخطوة.
والمصيبة حين نرى الخطأ، ثم نكتفي بالصراخ، أو نتحول إلى قضاة نُصدر الأحكام، دون أن نفكر:
كل ذلك يحتاج إلى تفكر ومحاسبة، وإعادة النظر في أوراق حياتنا المبعثرة.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله...
عباد الله. إن كلَّ دقيقة تُنفق في الإصغاء إلى أبنائنا، وكل لحظة حوارٍ تُفتح فيها معهم قلوبنا، هي استثمار في مستقبلهم.
وكل قسوةٍ في غير موضعها، أو تجاهلٍ غير مبرر، قد يكون ثمنُه دمعةً خفية، أو انزلاقًا لا يُجبر، أو عمرًا يُبدد.
فلا تتأخروا… لا تقولوا "سيتغير مع الوقت"، فالوقت نحن من يغيره، والزمن في المراهقة لا يرحم، والمتغيرات من حولهم سريعة، ومخاطرها خفية، فإن لم نسبقهم بالتوجيه، سبقهم غيرُنا بالإغواء.
ختامًا يقال: لم تعد الصحبة السيئة -يا عباد الله- تطرق أبوابنا من الخارج كما كانت من قبل، بل صارت تتسلل خفية إلى بيوتنا، عبر هواتف بين أيدي أبنائنا، وشاشات بين أعين أبنائنا، متسمرين يقضون أمامها الساعات الطوال.
إن كثيرًا من المراهقين اليوم لا يخرجون من البيت، ولكنهم يتواصلون مع عوالم مجهولة، ومع رفاق لا نعرف عنهم شيئًا، يقتحمون عقولهم وهم في غرفهم، يوجهون قلوبهم وهم بين أيدينا، دون أن نشعر.
فالأجهزة الذكية لم تعد وسيلة ترفيه، بل أصبحت ميدان تربية آخر، إما أن نحكُمَه ونوجّهَه، أو يُحكم على أولادنا من خلاله دون علمنا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) التحريم: ٦
اللهم إنا نعوذ بك من أن نُضيع أبناءنا، اللهم ارزقنا الحكمة في تربيتهم، واللين في معاملتهم، والصبر على عثراتهم، واجعلهم لنا قرة عين في الدنيا، وذخرًا في الآخرة.
8 30 / 1 / 1447
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد