مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:16:58

نظرات في فيضانات أوربا والصين

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرات في فيضانات أوربا والصين

13 / 12 / 1442هـ

إن الحمد لله...

الرطوبات سبب لديمومة الحياة.

        به تُوهب الحياة، وبنزوله تُسقى الأبدان، وبانهماره ترتوي الحقول والجنان، إنه أعز مفقود، وأرخص موجود، إنه الماء الذي جعله الله سببًا لوجود كلِّ كبد رطب، وارتواءِ كلَّ يابس وجدْب (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء: ٣٠، فالماء "عِبْرَةٌ لِلْمُتَأمِّلِينَ في دَقائِقِ تَكْوِينِ التناسل والحَيَوانِ مِنَ الرُّطُوباتِ، فَإنَّهُ لا تتَكَوَّنُ حياة إلّا مِنَ الرُّطُوبَةِ ولا يَعِيشُ ذو حياةٍ إلّا مُلابِسًا لَها، فَإذا انْعَدَمَتْ مِنهُ الرُّطُوبَةُ فَقَدَ الحَياةَ"([1]).

نزول الماء من المزن.

        إن شرب الماء من أعظم المنن على الإنسان، وماء المطر هو معظم شراب العرب، إذْ لم تكن بلادهم بلاد أنهار وعيون إلا ما ندر، ولذا قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ) الواقعة: ٦٨ - ٦٩  والمزن: السحاب، أي: "أأنْتُمْ خَلَقْتُمُوهُ عَذْبًا صالِحًا لِلشُّرْبِ وأنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ، فلَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا ولَأمْسَكْناهُ في سَحابَتِهِ أوْ أنْزَلْناهُ عَلى البِحارِ أوِ الخَلاءِ فَلَمْ تَنْتَفِعُوا بِهِ"([2]).

نزول الماء من السماء بقدر.

        وإن من نعم الله على عباده، وكبير خبرته بما يعود على مصالحهم أنه نزَّل السماء على قدْر حاجِيَّات الأرض، بما يشاء سبحانه ويريد، (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) الحجر: ٢١، فإن أراد أمسك عن عباده حتى يَطَّرِحوا بين يديه، ويُظهروا الذِّلة على عتبات بابه، وإن أراد أغدق عليهم الماء لينظر مدى شكرهم مِنْ بَطَرِهم، وكل ذلك على ما يشاء من خبرته وبصيرته (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) الشورى: ٢٧  ، فسبحان من كان أعلمَ بأحوال عباده منهم وأخبر.

الماء موعظة وعبرة.

        إن هذه القطرات التي تنزل من السماء، مصحوبةً بما يعلل النفس، ويلاطف بنسيم هوائها مشاعرَ كل جسد قد يقلبها الله طوفانًا هدَّارًا، بلاءً للعباد واختبارًا، أو نقمةً للجاحدين وادكارًا، وأشد ما يكون ذلك على من ينتظر من المطر الوابل العذب الصيب، فإذا به ساحق ماحق يُغرق مَن عليها، "فمِن مَأْمَنِه يُؤتَى الحَذِر"، كما قال الله عن عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) الأحقاف: ٢٤ - ٢٥.

الماء جند من جنود الله.

        ما أهون الخلق على الله وقد عصوه، وحتفُهم أهون على الله من مداركهم وعقولهم.

إن غضب الله إذا حلَّ على قوم أغرق من عليها، كما أغرق قوم نوح بأمواج كالجبال (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) القمر: ١٠ – ١٢.

ولما تغطرس فرعون وتجبر، ومشى على الأرض وتبختر، وزعم أنه الرب المتكبر، أذاقه الله أعظم موتة وأنكاها، إذْ أعظم الموتات موتة الغريق (حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)

ولما علّم اللهُ سبأَ بناءَ السَّد، حبسوا مجاري الوديان، فكانوا يأخذون على قدر حاجتهم، حتى أزهرت جنانُهم، واهتزت وربت ثمارُهم، فكثر الشر بينهم، وكفروا بأنعم الله، جعل الله سدهم حربًا عليهم، وجعل من موطن رحمتهم عذابًا لهم ولجنتهم (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ) سبأ: ١٦ – ١٧.

ولذا كان النبيإذا رأى مخايل المطر تغير وجهه، وخشي أن يكون ذا نقمة وسخط، حتى كانت عائشة تقول: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ المَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الكَرَاهِيَةُ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ العَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا"([3]).   

        فاللهم بصرنا بعيوب أنفسِنا، وارزقنا توبة على الوجه الذي ترضى به عنا، وأنزل علينا موجبات رحمتِك، وادفع عنا أسبابَ نقمِك وسخطِك.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

فيضانات أوربا والصين.

        وفي هذا الشهر شهر ذي الحجة بينما تنعمون أنتم بعيدكم، والأكلِ مما أحل الله من ضحاياكم عاش كثير من الناس في أوربا والصين حالة هلع ورعب، حتى هرب الناس من الماء إلى الماء، فتكاثرت عليهم الأمطار من فوقهم، وطغت عليهم الأنهار من تحتهم، حتى باتت بعض القرى الألمانية بأكملها مشردين بلا مأوى، في انقطاع تام عن الاتصال.

وفي الصين بِرَكٌ مفتوحة تعوم عليها مدن بحجمها، حتى حاصر الفيضان عشرةَ ملايين شخص، ووَحْدَها القوارب المطاطية هي الظاهرة على السطح، حتى وصلت المياه الطاغية تحت الأرض، حيث غُمِرتْ محطاتُ الأنفاق، ومئاتُ المسافرين مع قطاراتهم، وقُتِل العشرات مع موجات التدافع والذعر، عالقون في الظلمة: بين المدارس وأسطع البيوت، والمكاتب، دمار لا يعيد بناءه إلا جيش بعد عام أو أكثر من الترميم والإصلاح، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به.

        يقع كل ذلك في أكثر الدول نماء وحضارة وخططًا، ودراسةً لتوقعات دقيقة مناخية، إلا أن الأمر جاءهم من حيث لم يحتسبوا، ولم يعلموا لذلك خبرًا ولم يقدِّروا.

استعاذة لا شماتة.

        وإننا في هذا الموطن لا نشمت بمن لم يؤذ المؤمنين، ولم يكن حربًا على عباد الله الصالحين، ولكننا نستعيذ بالله العلي العظيم أن يصيبنا ما أصابهم من البلاء والنكبة، فإن في ذلك لعبرة لكل معتبر، وذكرى لكل مبصر مدَّكر، فالسعيد من وعظ بغيره، وعلم أن حبل النجاة لا يملكه إلا الله، وأيقن أنه ليس بين الله وعباده نسب إلا القربى في الطاعة والإيمان، فليعلم المؤمن أن "التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن ضدها من الأسباب الجالبة لكل شر، فما استُجْلِبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمته بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه"([4]).

فاللهم ردنا إليك ردًّا جميلا

وارزقنا توبة وأبوة إليك

تدفع بها عنا النقم، وتكاثر بها الخيرات والنعم

واهد المسلمين رعاة ورعية

ودلهم على الخير وثبتهم عليه.

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  التحرير والتنوير، لابن عاشور( آية الأنبياء-30) بتصرف.

([2])  التحرير والتنوير، لابن عاشور( آية الواقعة-68-69) بتصرف يسير.

([3])  رواه البخاري.

([4])  الداء والدواء (ص:18)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة