بسم الله الرحمن الرحيم
لباس الأنبياء، وحلية الملوك
18 / 4 / 1444هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد:
فإن من نعم الله على عباده أن علَّمهم الستر، ثم أكرمهم باللباس الذي هو شعار الستر، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) الأعراف: ٢٦ ، ومن اللباس الذي يتخذه الناس في حرِّهم وبردهم، في حضرهم وسفرهم: لباس الأنبياء، وموطئ الملوك، إنه لباس النعلين، قال ابن العربي: " النعال لباس الأنبياء"([1]).
لبس النعال عبادة.
ومن هنا كان لبس النعال عبادة لله، لما فيها من الارتفاق، والأخذِ بدفع المضرة، وما فيها من داعي التَّجمُّل؛ ولذا حَسَنٌ بالمرء إذا أراد أن يلبس نعليه أن ينوي التعبد لله بذلك، محتسبًا على الله الأجر، بوب النووي بابًا: "استحباب لبس النعال وما في معناها"، وأورد حديثًا عن النبي ﷺ قولَه: "استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل"([2])، يعني من لبس نعالاً فكأنما ركب دابة، لما في النعل من دفع الحرج والمشقة.
تاريخ النعل عند العرب، وربطه بقيم الإسلام.
وكان من عادات العرب القديمة اتخاذُهم النعال، وارتفاقُهم بالخفاف، بل كانوا يلبسون النعال الجيدة، "والعرب تَمَدَّحُ برقّة النعال، وتجعلها منْ لباس الملوك"([3])، قال ابن القيم:" والنعلان هما من زي العرب من آباد الدهر إلى يومنا هذا، ثم رسول الله ﷺ كان يلبسهما ويستعملهما، وكذلك الصحابة من بعده" ([4]).
وسئل الأحنف عن أسباب عزة العرب وبقائهم، فقيل له: يا أبا بحر. ما بقاء ما فيه العرب؟ قال: "إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم، واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد"([5]).
قول العرب في "صَفَّ النعال".
وكانت العرب تضرب الأمثال بالنعال، فتارة يطلقون على الرجل الذي رضي بالذل والهوان بأنه كَمَنْ رضي لنفسه أن يجلس في المكان الذي توضع فيه النعال وتُكدَّس، فيقولون: "هو في صَفِّ النعال، لا في صف الرجال"([6]).
واللهُ لم يرض للمؤمنين إلا مكان العزة، لا مكان الذلة والهوان (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آل عمران: ١٣٩.، ومكان عزتهم التمسكُ بدين الله وشرعه، والاعتزازُ والفخرُ بتعاليم الإسلام وقيمه، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)
كما يُفاد من قول العرب: "هو في صف النعال، لا في صف الرجال"، أن يُربَّى الأبناء على القيم الرجولية، وعادات العرب التي رسخها الإسلام، من إكرام الضيف، والعناية بالجار، وتعلم الفروسية، والرماية، والشجاعة، وبذل الندى، وكف الأذى، والمروءة والنجدة.
كما قال الأول:
إذا بلغ الرضيع لنا فطامًا تخر له الجبابر ساجدينا
في زمن ضعفت فيه الرجولة عند كثير من الغرب ولدى كثير من الشرق، حتى أصبح كثير منهم نساءً لا أشباه النساء، وحتى بدى على كثير من أبناء المسلمين آثارُ الترف، وعلاماتُ الميوعة، ولا حول ولاقوة إلا بالله، ونستعيذ به من شر فتن الزمان وعواقب الأيام.
قول العرب عند الخيبة واليأس" رجع بخفي حنين".
وكذلك تقول العرب لمن يأس من حاجة، ولم يرجع إلا بالخيبة وسوء المنقلب: "رجع بخفي حنين"، يعني أنه بلغ به الجهد، وسافر لغرض ما، وأنفق مالاً ووقتًا، لكنه لم يرجع بشيء، وهذا يُذكرنا بمن ناضل في هذه الدنيا، وبذل كل نكد وتعب، لكنه كان على غير الصراط المستقيم، ولا النهج القويم الذي عليه سيد المرسلين ﷺ قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) الكهف: ١٠٣ – ١٠٨.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار
وأنزل علينا موجبات رضاك عنا واجبر تقصيرنا واغفر لنا إسرافنا في أمرنا
الخطبة الثانية: الحمد لله...
من سنن النبي ﷺ في الانتعال.
-بين النبي أن لبس الجيد من النعال ليس من الكبر، لأن رجلاً سأل النبي ﷺ عن: "الرجل يحب أن يكون ثوبُه حسناً، ونعلُه حسناً؟ فقال ﷺ: "إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ " رواه مسلم.
- كما كان ﷺ يلبس -أحيانًا- النوع الجيد الحسن، أنكر رجلٌ على ابن عمر فقال: "رأيتك تلبس النعال السِّبتية"، وهي نعال مصنوعة من جلد البقر المدبوغ، ولا يلبسها من العرب إلا وجوهَ الناس وأشرافَهم، وأهلَ السَّعة والنعمة فيهم، فقال عبد الله بن عمر: "إني رأيت رسول الله ﷺ يلبس النعال التي ليست فيها شعر(وهي النعال السبتية) ويتوضأ فيها؛ فأنا أحب أن ألبسها" رواه البخاري.
- ويُشرع لمن دخل المقابر خلعُ نعليه إكرامًا للأموات، رأى النبي ﷺ رجلاً يمشي بين القبور في نعليه، فقال: "يا صاحب السبتيتين ألقهما" رواه النسائي. فلا يجوز أن يمشي بالنعال في المقبرة إلا عند الحاجة مثل وجود الشوك، أو الرمضاء الشديدة.
ظاهرة تكديس النعال أمام أبواب المساجد.
وبهذه المناسبة فإن مما تعانيه مساجدنا اليوم: تكدُّسُ الأحذيةِ أمام الأبواب بطريقة تؤذي الصحيح المعافى إذا مرَّ عليها، فكيف بمن هو أقلَّ من ذلك، فترْك الأحذية أمام الأبواب، وفي طرق الناس أذى ليس من الدين المستقيم، ولا دل عليه الفكر السليم، وكذلك حال السيارات ممن يرمي سيارته في وسط الشوارع، أو أمام أبواب الجيران من غير اكتراث بتبعية ذلك من عواقب قد تكون نهاياتها وخيمة، وأذى بالغًا تتعطل معه المصالح، ويلتحق الضرر بأهل تلك البيوت.
فاللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله. اللهم أعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأعذنا من شر كل ذي شرٍ يا رب العالمين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) تحفة الأحوذي (5/382).
([2]) رواه مسلم.
([3]) ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (39/162).
([4]) أحكام أهل الذمة (3/1297).
([5]) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (9/52).
([6]) الثمار، للثعالبي (1/607).