مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:17:53

وأصلحنا له زوجه

بسم الله الرحمن الرحيم

( وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ)

(وفي الخطبة الثانية: الحث على اللقاحات في مجتمعات التعليم)

27 / 12 / 1442هـ

إن الحمد لله...

سبب الأنس والبهجة، ومدعاة السكون والدعة، إنها أمان للسفينة، وسلامة في رحلة ممتدة، وسفر طويل، بها يسكن البال، ويُصْلِح الله العيال، وتحاوط المرءَ لأجلها السعادة، فيَخْرِف من ثمار الجنان البهية، إنها الزوجة إذا صلحت، والمرأة إذا استقامت.   

المرأة الصالحة من أسباب السعادة.

إن السعادة مطلب منشود، ومرمى مقصود، فمن نالها نال حظًا وافرًا، والسعادةُ في أربعة أركان، متى ما تزلزل ركن واحد منها اختل شيء من كمال السعادة ونقائها، ومتى ما تهافتت جميع أركانها تهاوت عروش الحياة، قال : "أربعٌ من السعادةِ: المرأةُ الصالحةُ، والمسكنُ الواسعُ، والجارُ الصالحُ، والمركبُ الهنيءُ، وأربعٌ من الشَّقاءِ: الجارُ السوءُ، والمرأةُ السوءُ، والمركبُ السوءُ، والمسكنُ الضَّيِّقُ" ([1]).ومكمن السعادة في هذه الأربعة: أنها لا تفارق الإنسان، وتكون معه في دوامة الحياة، تدور معه حيث دار: فهو إما في بيت، أو على مركوب، أو لصيقُ جار، أو بين صاحبة الجنب.

صاحبة الجنب.

        وألصق هؤلاء: الزوجة، صاحبةُ الجنب، فهي بجنب الرجل في كل لحظات الحياة، فهي فراشُه ووسادُه، وهي طعامُه وشرابُه، وهي لصيقة ثوبه، ومستودع سره، ومكان بثه وشكواه، وهي داخلة  في جملة الوصايا القرآنية، التي أوصى الله بها حينما قال في كتابه: (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ) النساء: ٣٦ .

المرأة مرآة تنعكس على من حولها.

فكان حريًا بهذه المرأة والتي عليها محور البيت الأُسْري أن تكون محلاً لهذا النُزُل، مستوعبة أثرها على النفوس، فسلوكها مرآة ينعكس على من حولها، فكما أنها باب الأنس ولذة الحياة، فقد تكون بابًا من أبواب التعاسة والشؤم، ويمتد أثرها النفسي إلى محيط زوجها وأبنائها، قال: "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ"([2])، وشؤم المرأة أن تكون سيئة الخلق، ضيقة العَطَن.

مفتاح سعادة المرأة.

        وبما أن المرأة نافذة من نوافذ نجاح الحياة الزوجية، فإن هذه النافذة لها مفتاح، إطلالتُه: زوجٌ يُقدِّر المشاعر، ويراعي الأحوال، ويفهم انكسار المرأة، فهو يتعامل معها بالرحمة، ويبني فيها النقص، ويصل بها إلى تتميم الكمال الأسْري، ويجعل بينه وبينها شعرةَ معاوية: إذا شدَّ أحدُهما أرخى الآخر، ولا ينظر إليها بعين الملامة والنقص، كمن ينظر بعين واحدة، بل ينظر إلى جوف الفراء من المحاسن، فإنه بذلك يعادل الحياة الزوجية، قال: " لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً؛ إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا، رَضِيَ منها آخَرَ"([3]).

أي لا تُبغضها بُغضًا مُطلقًا، "فمن ذا الذي ترضى سجاياه كلها"، ولكن إن أبغضت منها خلقًا، فاذكر من أخلاقها ما يرضيك عنها.

"فالحظ ما في زوجتك من الأخلاق الجميلة، واجعلها في مقابلة ما كرهت من أخلاقها، فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من روعة خلقها، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئًا واحدًا أو اثنين مثلا، وما فيها مما يحب أكثر، فإذا كان منصفًا غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها، وبهذا: تدوم الصحبة، وتُؤدَّى الحقوق الواجبة المستحبة، وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله، وأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم إنصافه، ولا يكاد يصفو مع زوجته"([4]).

 

صلاح الزوجة منحة ربانية.

إن من النعم الكبرى على العبد في الحياة، أن يكون في كنفه المرأةُ الدينة، فرَحِمُها قابل للأبناء، يأمنها في غيابه، وتستر  عليه عرضه في بُعده، وتأوي أبناءه بحاضنة التربية الحسنة، قال الله في جمال وصفهن: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) النساء: ٣٤  .

وقد امتن الله على زكريا بعد أن كان عاقرًا فقال الله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) الأنبياء: ٩٠، فكان من صلاحها أن كانت عاقرًا لا تلد فولدت، وكان فيها شيء من النقص فأتمه الله بما يصلح خُلُقَها، فجعلها الله ولودًا حسنة الخُلُق، فعاش يحيى في كنف الزوجين الصالحين.

ولاحظ أن الله قال: (وَأَصْلَحْنَا) ، فصلاح المرأة وقلبُها بين أصبعين من أصابع الرحمن، فاطلب صلاحها من الله، وارجُ استقامتها ممن خلقها، ثم افعل مسببات ذلكم الصلاح، وفتش في سُبُل الوئام، فإنها ستعود إليك، وإنّ من خير النساء العَؤُود، التي إذا ظُلِمت قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غَمْضًا حتى ترضى.

خير المتاع في الدنيا.

        فالمرأة جُعلت للرجل رُكونًا، يَركن إليها بعد شَغَف العيش، ومتاعب الحياة، ليجدها خير مأوى وأدفأ مسكنًا، فمهما قلّب المرءُ من لذائذ الدنيا، وجلب من متاعها فلن يجد مثل امرأةٍ تحفظ له الوُد، وتصون له العهد، قال: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة"([5]).

وحتى نعرف صلاحها فتأمل إلى شيء مما ذكره النبي عن خير النساء فقال: "خير النساء التي تسرُّه إذا نظر، وتُطِيعه إذا أمر، ولا تُخالِفه في نفسها ولا مالها بما يكره"([6])، إن المرأة لم يطلب منها الكثير، وإنما طلب منكم أن تحسنوا الرعاية والتدبير (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)

فاللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وأصلح لنا زوجاتِنا وذرياتِنا

 

الخطبة الثانية: (في الحث على اللقاحات في مجتمعات التعليم)

 الحمد لله...

خروجًا من البيت الأسْري الصغير إلى البيت المحيط الأكبر، أنه بيت الوطن، والذي عاش ظروفًا عبر الجائحة كما عاشت بقيت الدول، إلا أن بلادنا بحمد الله، كانت الأكثر صحة، والأحسن احترافية، حتى صُنفت هذه البلاد كدولة آمنة من تضاعيف الجائحة، ومن باب شكر المنعم، أن نحافظ على النعم، ولا يكون ذلك إلا بفعل موجبات الشكر، من الاعتراف والامتنان لله، ثم بفعل ما يحاصر الجائحة، ويقلل من مخاطرها، خصوصًا ونحن مقبلون على فصل دراسي تعود الحياة تدريجيًا إلى أدراجها، وأكثر تلك الحياة خلطة حياة التعليم: الدارسون والمدرسون، فكل واحد منهم خليق بتحمل المسؤولية، واع بما يؤديه الانتظام في جرعات اللقاح من النتائج المرضية، والمناعة المجتمعية، والعواقب الحميدة.

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  رواه أحمد وصححه الأرناؤوط.

([2])  رواه البخاري.

([3])  رواه مسلم.

([4])  بهجة قلوب الأبرار، للسعدي (ص:122) بتصرف يسير.

([5])  رواه مسلم

([6])  رواه أحمد، وصححه أحمد شاكر.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة