مكتبـــــة الخطب

2025-12-23 09:39:05

استقبل رمضان مختصرة

بسم الله الرحمن الرحيم

رمضان

مسائل وأحكام على أبوابه

29 / 8 / 1446هـ

الحمد لله الذي يصطفي ما يشاء ويختار، وكل شيء عنده بمقدار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سخر الليل والنهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أبان عن طريق الحق، وأجلى صفاتِ الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى الأثر، واتبع الهُدى واعتبر، وعلى منهج التقوى عبر وسار، أما بعد:

فإن تحليقَ القلوب فرحًا، وزهوَّ النفوس سرورًا ومرحًا، لا يكون كمثل انتظار موسم التجارة، وترقبِ وقت الأرباح واطِّراح الخسارة، "فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ"، ومن أعظم تلك الأسواق الزمانية، والأندية الندية: شهرُ رمضان.

في رمضان أعِدْ ترتيب نفسِك، لملم بقاياك المبعثرة، اقترب من نفسْك الصادقة، واكتشف مواطن الخير في دواخلك، واهزم نفسَك الأمارة بالسوء.

فكلٌّ يستقبل رمضان حسب فهمه ومصالحه: فأناس يرون رمضان موائدَ عامرة، وأناس يرون رمضان لياليَ ساهرة، وآخرون يقضون رمضان في زيارات وحفلات دائرة، وفئةٌ-أَكرِمْ بها من فئة- ترى رمضان مواسمَ الطاعة والنفحات العابرة، فانظر نفسك مع أي فئة تكون؟

فبذلك فليفرحوا...

وإن من السنن التي يُقابل بها هذا الشهر، الفرح والأُنس والبِشْر، فزفوا البشرى، واملؤوا القلوب بالتهاني، فقد كان يبشر أصحابه ويقول: " قد جاءَكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ فرضَ اللهُ عَليكم صيامَهُ، تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنةِ، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ النارِ، فيه ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ " رواه الإمام أحمد..

      وينبغي لمن أزف الدخولَ في الشهر المبارك أن يَتَعقَّل من الله الحكمة من فَرَضية الصيام، وأنّ استقباله لا يكون بطغيان الشهوة، ولا بتكدس الناس في الأسواق، ولا بكثرة التبضعِ للأطعمة والأطباق، ولا بتعليق الأعين والأنفس بسفور المسلسلات، وانحلال القنوات، التي تُصهر ذائقة الإيمان، وتُجلِب سخطَ الرحمن، فإن من تخيل أن غاية رمضان هو أكل وشرب ونسيان، فلا صلى ولا صام (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ١٨٣

       ولا شك أن كل صيام لا يعقبه تقوى، ولا يتمخض عن عبادة متولدة فهو صيامٌ غُفْلٌ عن علة التشريع العظيم قال : "من لم يَدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري.

فاللهم بلغنا رمضان، نرى هلاله في السماء، ونلتمس نوره في الفؤاد، واكف عنا شر الإنس والجان

 

الخطبة الثانية:

الإقبال بالتوبة، والانسلاخ من الذنوب.

عبدالله. جدِّد الثوب القشيب، واغسل القلب التليد، وبادر بفتح صفحة نقية ملؤها التوبة والإنابة، فإنه لا ينبغي لعبد أن يدخل عليه رمضان إلا وهو معترف بذنبه، معظِّمٌ لربه، مُظهرٌ لحاجته وذُلِّه، وإذا لم تتحرك النفوس في هذا الموسم للتوبة والندم فمتى تتحرك!! قال : «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» رواه الترمذي. فما أفسدّتُه شهورُ العامِ في أرواحنا المُثقَلة، تصلحه أيامُ رمضان بإذن الله.

فالفواحش أضرب وأصناف، وأودية وبحار، يتيه فيها أهل الشهوات، ويضيع معها أرباب العقول، تلقي الظلمة في القلب، وتفتك بالنفس، فلا أعظم وأحب عند الله  من التوبة (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر: ٥٣

وإن من حسن استقبال هذا الشهر نبذَ الخصومة، ودفنَ الشحناء، وطمسَ العداوات، فإن القلوب المشحونة بالكره أبعدُ الأفئدة عن العفو والمعافاة، قال : "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا".

في رمضان لنغلق مدن الأحقاد، ولنزرع المساحات البيضاء في حنانينا، ولنتخلص من الباحة السوداء في دواخلنا، فإن في الصدر سخائمَ، لا يزيلها إلا ترَقُّبُ الفرصِ السوانح؛ لطرد ما في القلب من غوائلَ وضغائن يقول : «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» رواه أحمد.

فاللهم أطل في الأعمار على الطاعات، وبلغنا رمضان وموسم إقالة العثرات والزلات،

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة