بسم الله الرحمن الرحيم
1 / 2 / 1442
"السبئيون في القرآن"([1])
لمحات في طيات القصص
الحمد لله...
قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) يوسف: ٣، هذه الآية التي يحفظها الجميع من أول سورة يوسف لا تعني أن قصة يوسف هي أحسن قصص القرآن، بل تعني: أن القرآن كلَّه هو أحسن القصص من غيره، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: (بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ) يوسف: ٣ فهو أحسن من الروايات، وطول سرد الحكايات، فإن القرآن قُصَّ على أبدع الطرائق الرائعة، وأعجب الأساليب الفائقة، بسلاسة عبارته ورونق معانيه، بخلاف أقاصيص البشر فمنها مالا يُميَّز غثُّه من سمينه، ولا يُفرَّق فيها بين شماله ويمينه، "فكل قصص في القرآن هو أحسن القصص في بابه، وكل قصة في القرآن هي أحسن من كل ما يقصه القاص في غير القرآن"([2]).
قصص السبئية في القرآن.
ومن أعاجيب القصص: ذِكْرُ الله سبأَ في كتابه العظيم، وهي بلادُ عاصمةِ الحضارات، وأعجوبة الزمان في مناخها، تقع جنوب الجزيرة العربية، وهي معروفة اليوم: بمأرب اليمن، و"قد كان اليونان يلقبون مملكة اليمن بالعربية السعيدة"([3]).
وسميت بسبأ سورة كاملة، وقد قطنها-فيما ذكر الله- أمتان: أمةٌ شكرت لأنعم الله، وأمة كفرت بأنعم الله.
أولاً: السبئية الشاكرة:
أما السبئية الشاكرة، فيبدأ خيط قصتها لمّا تفقد سليمان جنودَه، وكان من جملة الجنود المحشودة: جندُ الطير، فغاب الهدهد، ومكث عنه غير بعيد، ثم جاءه قائلا: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) النمل: ٢٢ ، وفيه تنبيه لسليمان الذي ملك الأرض أن هنالك من مخلوقات الأرض ممالكَ وملوكًا لديهم شأن خاص عظيم في الملك، ولذا قال الطير: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) وفي قوله (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) هو محطُّ استغراب سليمان من جهتين:
الجهة الأولى:" كان سليمان لا يرى أن في الأرض أحدًا له مملكة معه"([4])، وكيف يكون موضعٌ من الأرض مُلْكًا لغيره، وسليمان كان قد مَلَكَ الأرض.
الجهة الثانية: أن مَلِكَهم امرأة، إذْ لم يكن الإسرائيليون يُوَلُّون النساء المُلْك، وسليمان من بني إسرائيل، وهذه المرأة هي بلقيس ابنة شراحيل.
وفي قوله: (وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) أي: أوتيت من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها من المحامد والمحاسن الشيء العجيب، وكان من جملة مُلْكِها: عرشٌ فائق الصنع، قلَّ وجوده في الممالك.
ولما كان التوحيدُ فطرةً مركوزةً في المخلوقات، قال الهدهد مستنكرًا عليهم أمرًا كُبّارًا، مُحرِّضًا سليمان عليهم: (وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ) ، وهذا دليل نقص العقول، وإن كانت دلتهم على الحضارات، وبناء الأعاجيب والعروش؛ لأنها عبدت المخلوق دون الخالق، كما قال الله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) ﭼ الروم: ٧ .
ولما كانت الأنبياء هم أول الدعاة المصلحون قال سليمان للهدهد: (اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ)، ولم يزل تبادل الرسائل بين الملوك من سنن الدول ومن سنن دعاة الخير، كما كتب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، يدعوهم إلى الإسلام.
وقد كانت رسالة سليمان نفيسة الصحيفة، نفيسة التخطيط، ولذا وصفته بلقيس بأحسن وصف: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ )، وكان كتاب سليمان وجيزًا مختصرًا فيه سنن من سنن بقايا الأنبياء، وفيه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ( ، فدعاها إلى أمرين اثنين: المسالمة، ودعاها إلى نبذ الشرك والخرافة. كما كان كتاب النبي ﷺ ونصه: "بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ"([5]).
وكانت بلقيس حكيمة مستشيرة، غيرَ مستبدة بالرأي، لا تخاطر بالاستبداد بمصالح قومها ولا تُعرِّض مُلكها لمهاوي أخطاء المستبدين، ولذا قالت: (أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ)، ففوض الملأُ الأمرَ إلى الملكة؛ لثقتهم بأصالة رأيها لتنظر ما تأمرهم، فاختارت السِّلْم على جانب الحرب، وقالت: إن كان سليمان مَلِكًا فسيقبل الهدية والرشوة، ويتركْ لنا مُلْكَنا، وإن كان نبيًا فلن يقبل إلا ما كتب لنا: ( أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(، وكان آخر أمرها أنّها أقبلت على سليمان مؤمنة مسلمة، (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ).
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
ثانيًا: السبئية الكافرة:
وانتهى عهد بلقيس، وطالت بسبأ السنون، ثم صاروا إلى الكفر بالله، ومع ذلك فقد أنعم الله عليهم بنعم، منها:
نعمة الرخاء والبهجة وطيب الإقامة:
حيث كانت جنانهم متصلة، وغاباتهم نظرة، لا يرون فيها شمسًا، إلا ظلاً يلقي عليهم برغد الثمار، (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ) سبأ: ١٥، لكل رجل منهم في مسكنه جنةٌ عن يمينه وجنةٌ عن شماله، فكانوا يتفيؤون ظلالهما في الصباح والمساء، وكان لهم سدٌّ عظيم يحفظ عليهم أمطارهم.
ومن نعم الله عليهم نعمة أخرى:
وهي نعمة الأمن وتيسير الأسفار وعمران بلادهم:
فكانوا إذا خرجوا من مأرب إلى البلاد الشامية قوافل للتجارة سلكوا طريق تهامة ثم الحجاز ثم مشارف الشام ثم بلاد الشام، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلدًا أو دارًا للاستراحة واستراحوا وتزودوا، ومن أجل ذلك لا يحملون معهم أزوادًا إذا خرجوا من مأرب.
وفي ذلك يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ)، فأعرضوا عن الاستجابة لدعوة التوحيد وعادوا إلى عبادة الشمس.
ومن كفرهم بالله أنهم تَحدُّوا الأنبياء، وقالوا (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) ، فكأنهم قالوا لأنبيائهم: إن كانت دعوتكم حقًا، فأتونا بالعذاب، والخراب الذي تزعمون، وإن كانت دعوتكم حقًا فادعو الله علينا أن يسلبنا الأمن في أسفارنا، وحالهم كما قالت كفار قريش عنادًا ومكابرة: (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) الأنفال: ٣٢
فقدر الله عليهم أسباب انهدام السد، فاندفع ما فيه من الماء، فكان عليهم غرقًا، وعلى أنعامهم وأشجارهم إتلافًا، ثم أعقبه جفاف باختلال نظام تساقط الأمطار، وانعدام الماء وقت الحاجة إليه، وهذا جزاء إعراضهم وشركهم، (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) سبأ: ١٦
ومزقهم الله كل ممزق، وفرقهم في البلاد، وجعلهم في شتات وضياع، فكانوا أحاديث الناس اعتبارًا وموعظة إلى يومنا هذا، قال الله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)، فحملهم خراب السد وقحولة الأرض إلى مفارقة تلك الأوطان مفارقةً وتفريقًا ضَرَبَتْ بهم العربُ المثلَ في قولهم: "ذهبوا، أو تفرقوا أيادي سبأ"!.
فيا عباد الله. تأملوا في آثار المُنعِم عليكم، وانظروا في نعم الله الجمة على دياركم، بلدةٌ طيبةٌ يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، مع عدم انعقاد أسباب الإنبات الكاملة، من خصوبة الأرض، وكثرة الأمطار، ومع ذلك فثماركم متلونة، ومشاربكم متنوعة، فلأنتم أشد عجبًا من أية حال مسبوقة، فأديموا شكر المنعم، وقابلوا نعمه بالطاعة ودوام الاستغفار، والاعتراف بالذنب، والتواضع للخالق.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) السبئيون هم أحد فروع قبائل البلاد اليمنية الثلاث: اليمنية، والحميرية، والسبئية، ومَلِكُهم واحد، يسمّى: تُبّعًا، ككسرى، وقيصر.
(1) تفسير الطاهر ابن عاشور (12/204)، وقد أبان عن عدم خصوصية المدح في أول سورة يوسف، وأنه عام لكل قصص القرآن.
(2) المرجع السابق (19/253)
(1) تفسير الطبري (19/446).
(1) متفق عليه.