مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:16:45

نصوص القرآن في السياحة 2

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرات القرآن في السياحة

2 / 1 / 1447

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

طبع الإنسان على الترحل.

ذكر مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته أن الإنسان (بدوي بطبعه) ([1])، والحضارة طارئة عليه، يحب التجوال بفطرته، وغُرِس في قلبه شغف الرحلة والتنقل، وقد ألف المؤلفون في الرحلة ومن أشهرهم ابن بطوطة (ت:779) في كتابه: (تحفة النظار)، فقد خرج من المغرب للحج، فتطور معه الأمر حتى غدت رحلته 30 عامًان يصف فيها الأمصار والأقاليم([2]).

منظور القرآن في غايات السياحة.

ومن أجل هذه الغريزة فقد قعد الله للرحلة قواعد، وخصها في كتابه بحكم وأحكام وغايات، فبين الله:

 أن الرحلة قد تكون لغرض ديني، ومن ذلك:

1- السياحة لأجل طلب العلم، قال تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) ([3]) التوبة: ١٢٢ ، والنفير هو السفر والارتحال، وكان الناس يأتون من أطراف الجزيرة العربية مسافرين إلى المدينة ليسمعوا من خير المحدثين نبي الله ، قال سعيد بن المسيب: "كنت أسافر الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد"، وقد قدم مالك بن حويرث إلى النبي ومعه شَبَبَةٌ، فأقاموا عنده عشرين ليلةً، ثم قال لهم: "ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم - وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها - وصلوا كما رأيتموني أصلي"([4]).

وقد رحل الإمام أبو عبد الله بن منده لطلب العلم وعمره عشرون سنة، ورجع إلى بلده وعمره خمسة وستون عامًا، وكانت مدة رحلته خمسة وأربعين عامًا، وتلقى عن ألف وسبعمائة شيخ، فلما رجع إلى بلده تزوج وهو ابن خمسة وستين عامًا، ورزق الأولاد، وحدث الناس وعلمهم([5]).

2-السياحة لأجل الجهاد، والسياحة لأجل الهجرة من ديار الكافرين، كما وصف الله المؤمنين بقوله: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ) التوبة: ١١٢([6])، جاء رجل فقالَ يا رسولَ اللَّهِ. ائذَن لي في السِّياحةِ؟ فقالَ النَّبيُّ  "إنَّ سياحةَ أمَّتي الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ تعالى"([7]).

فأراد الرجل أن يذهب في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس، وقد كانت هذه السياحة مما يتعبد به رهبان النصارى، فأخبره أن أفضل سياحة تتعبد فيها هي سياحة الجهاد([8]).

وكان الخلفاء في بداية كل صيف يعدون طائفة للجهاد في سبيل الله تسمى (الصائفة) ([9])، وهي غزوة سنوية يقوم المسلمون فيها بالدعوة والجهاد([10]).

ولا يخفى أن الجهاد له شروطه وأحكامه، ولا يكون إلا بإذن سلطان قائم، قال : "وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ"([11]). وما وراء ذلك إنما يكون في طائلة الهرج والمرج، والانكبابِ على مصارع الفتن، قال : "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج" قيل يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحركها فحرفها كأنه يريد القتل"([12]).

3-التأمل في عقوبات المكذبين كما قال سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) الروم: ٩، وهو النظر والاعتبار والادكار، وقد قال لأصحاب الحجر: "لا تَدْخُلُوا علَى هَؤُلَاءِ المُعَذَّبِينَ إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أصَابَهُمْ"([13]).

4- التأمل في زينة الأرض وصفائها، فإن الانتقال بين تنوع التضاريس يخطف القلب، ويوقظ الفؤاد، عاش رجل في جبال تهامة كل حياته، فلما بلغ السبعين نزل لأول مرة، حتى وصل ديار تثليث واستواء الأرض، فقال: لا إله إلا الله، ما ظننت أن الله قد خلق أرضًا مستوية، فكانت له عبرة وآية.

وقد تكون السياحة لغرض دنيوي، وهو ابتغاء الرزق والمكاسب والتجارة، كما قال سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) الملك: ١٥ قال ابن كثير: "فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات"([14]).

وكان النَّاسَ في أوَّلِ الحجِّ يتبايعونَ بمنًى وعرفةَ وسوقِ ذي المَجازِ ومواسمِ الحجِّ فخافوا البيعَ وَهم حُرُمٌ فأنزلَ اللَّهُ سبحانَه وتعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) البقرة: ١٩٨.

قال الشافعي مادحاً للسفر وحاثًّا عليه:

سافر تَجد عِوضًا عَمنْ تُفارقهُ

                     وانْصَبْ فَإنَّ لَذِيد العيش في النصبِ

إني رَأيتُ وقُوفَ الماءِ يُفْسِدُهُ

                       إنْ سَالَ طَابَ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِب

فهم خاطئ لمفردة السياحة في القرآن.

 أما قوله سبحانه: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ) التوبة: ٢، فليس فيها دليلٌ على السياحة لأجل الفرجة، لأن الآية نزلت في المشركين، وهو أنه من لم يكن له عهد عن الرسول فإنه له مهلة أربعة أشهر، وبعدها إما أن يؤمن أو يبقى على كفره وليس له العهد بعد ذلك([15]).

8 2 / 1 / 1447

أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) مقدمة ابن خلدون (1/153)

([2]) وابن بطوطة ليس من العلماء، وقد نشر في كتابه كثيرًا من الخرافات والشركيات والبدع وأحوال التصوف، وهو متهم بالكذب.

([3]) وهو أحد مفاهيم الآية، وفيها أقوال أخر.

([4]) رواه البخاري.

([5]) تذكرة الحفاظ (٣/١٠٣٢).

([6]) وفي السائحين أقوال أخر، يجمعها سياحة القلب على الله، كما قال ابن القيم. انظر: حادي الأرواح (1/169).

([7]) رواه أبوداود. قال ابن تيمية (10/642): "السياحة في البلاد لغير قصد شرعي، كما يفعله بعض النساك - أي ذهابهم في الأرض للتعبد والترهب واعتزال الناس - أمرٌ منهي عنه".

([8]) أساس البلاغة (1/570). 

([9]) أساس البلاغة (1/570). 

([10]) أما اليوم فإن بعض الصائفة يستقبلون الصيف بالقروض لأجل السفر إلى بلاد الله أعلم بها، فإن كثيرًا من السائحين لا يبالي أين تكون سياحته؟ ويتفاقم الأمر عندما يزج بأسرته وأبنائه إلى خُلطة لا تناسب الإسلام وأهله. 

([11]) رواه البخاري.  

([12]) رواه البخاري.  

([13]) متفق عليه.

([14]) تفسير ابن كثير (8/179).

([15]) تفسير ابن كثير (8/179).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة