بسم الله الرحمن الرحيم
19/10/1441
السكينة في زمن الجوائح
الحمد لله...
ففي عالم يموج كثيرٌ منه بالاضطراب، وفي جوّ محتقن بكثير من سقطات الغضب والحَنَق، وبين نفوس ملؤها العجلةُ والسرعة، ثم الوقوع في آفات الخطأ، في مثل هذه الأجواء تحتاج النفوس إلى التهدئة والطمأنينة، وعدم الانسياق مع ويلات المثربين، وآثام المتعجلين، وألسنة الذائعين، وذلك بالركون إلى أمر عظيم، أمرٍ يُنزله الله على من يشاء من قلوب عباده، أمرٍ يطفئ فوران القلوب، ويزيل تأججها بالخوف، أو تزلزلها بالقلق، إن هذا الأمر هو جند من جنود الله: ألا وهو السكينة، نعم. السكينة يا عبد الله.
ماهية السكينة:
إن السكينة هي :"طمأنينة القلب واستقراره، وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح"([1]).
كسكينة إبراهيم لما ألقي في النار، وطمأنينة موسى لما فلق الله له البحار، وكهدوء محمد ﷺ إذ هو مع صاحبه في الغار، فهذه السكينة التي حصلت لذلكم الرهط الكريم العظيم في تلك المواقف أمرٌ فوقَ عقول البشر.
وهذه السكينة "هي من أعظم معجزاتهم عند أرباب البصائر، فإن الكذاب - ولا سيما على الله - أقلق ما يكون وأخوف ما يكون وأشده اضطرابًا في مثل هذه المواطن"([2]).
السكينة من علامات الإيمان:
وإنزال السكينة على قلبك-أخي المسلم- من أعظم علامات الإيمان، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) الفتح: ٤ ، ولأن هذه السكينة تُولّد التواضع وتطرح التكبر والتجبر، قال الله عن عباده: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) الفرقان: ٦٣
السكينة من أسباب النصر:
عباد الله. بعد صلح الحديبية، هذا الصلح الذي ظنه المؤمنون صلحًا غير عادل لهم، فزاغت العقول أو كادت، واشترط المشركون على المسلمين تلك الشروط الجائرة الظالمة، فاضطربت قلوب المؤمنين، وقلقت ولم تطق الصبر، فثبتهم الله بإنزال السكينة عليهم، والتي زال معها الشك، وحل مكانه اليقين، فانبعث الأمل بالله، والتفاؤلُ بما عنده، فكانت السكينة عليهم من أعظم أسباب النصر والفتح، قال الله في سورة الفتح: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) الفتح: ٤" فَكَانَ مِنْ أَهَمِّ أسباب النَّصْرُ إِنْزَالُ السَّكِينَةِ"([3]).
روى البخاري عن البراء رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التراب، وقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول: "لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا".
السكينة وغرائبُ أخبار بني إسرائيل:
وفي تطواف حول آيات القرآن وما جاءت من ذكر السكينة في تقليب المعاني، وتصاريف القصص والأخبار، وما حوت من الأعاجيب والغرائب، نجد أن السكينة جاءت في قصة طالوت، ذلكم المَلِك العالم القوي الصالح، الذي ملَّكه الله على بني إسرائيل، ولم يتول عليهم لأن عنده سعةً من المال، بل لما آتاه الله من بسطة العلم والجسم قال تعالى في ببان علامه ملك طالوت: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) البقرة: ٢٤٨ ، فكانت السكينة نازلة لهم مع التابوت، وهذه السكينة هي ما أودعه الله في قلوب الإسرائلين من هدوء القلب، وبرودة النفس، فاستقرت قلوبهم بعد إذ قالوا باضطراب وقلق: (نَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) البقرة: ٢٤٧، فكان من سكون قلوبهم أنْ قبلوا أمر نبيهم، ورضوا بطالوت لهم ملكا، فكانوا إذا حاربوا لم يفروا، بل ظفروا بعدوهم؛ لِمَا أنزل الله من السكينة على قلوبهم، ولا تكون السكينة مع ولي أمر من أمور المسلمين إلا لقي الناس بعده عواقب الحمد والنعيم.
السكينة في هذه الأمة:
كما أنزل الله السكينة على محمد ﷺ في أحسم موقف، وأخلد ذكرى، إذ هو في الغار مع صاحبه، (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) التوبة: ٤٠، فلما ذاق حلاوتها ﷺ قال مقولته السائرة:" ما ظنك باثنين الله ثالثهما" رواه البخاري.
وكما أن هذه السكينة أنزلها الله على قلوب هذه الأمة في حروبهم وغزواتهم كما قال الله جل في علاه في أحداث غزوة حنين: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) التوبة: ٢٦.
اقتران السكينة بنزول الملائكة:
وهذه السكينة التي أنزلها الله في هذه المواطن لا تنزل على القلوب إلا ومعها الملائكة، فالسكينة غير الملائكة، كما قال تعالى: (يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ) وقال تعالى: ( فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا)، وقال تعالى: (ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا).
نزول السكينة مع قراءة القرآن:
كما أن السكينة تنزل عند قراءة القرآن، وتكون معها الملائكة، روى البخاري وبوب ( باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن) أن أسيد بن حضير كان يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ، وفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إذْ جالَتِ الفَرَسُ، أي: اضطربت اضطرابًا شديدًا، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ، فَجالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وسَكَتَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ، فَجالَتِ الفَرَسُ فانْصَرَفَ، وكانَ ابنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْها، فأشْفَقَ وخاف أنْ تُصِيبَ الفرسُ ابنَه يحيى، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ، أي: أبعد الفرس عن ابنه، رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، فرأى ظلة فيها أمثال المصابيح فغابت في أعلى السماء حتَّى ما يَراها، والظلة السَّحابةُ التي كانتْ فيها الملائكةُ ومعها السَّكينة.
فَلَمَّا أصْبَحَ حَدَّثَ النبيَّ ﷺ فقالَ له ﷺ: "اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ" ومعناه: أنه كان يَنْبَغِي لك أن تستَمِرَّ على قِراءتِك وتغْتنِمَ ما حصَل َلك مِنْ نزولِ السَّكينةِ والملائكةِ وتَستكثرَ مِنَ القِراءةِ التي هي سببُ بَقائِها، فقالَ أسيد: أشْفَقْتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنْ تَطَأَ يَحْيَى، قالَ ﷺ: "وتَدْرِي ما ذاكَ؟"، قالَ: لا، قالَ ﷺ: "تِلكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولو قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إلَيْها، لا تَتَوارَى منهمْ ولا تستر من الناس".
فلنملأ -عباد الله-بيوتنا بقراءة القرآن، ولنحسن صوتنا به ترنما وتغنيا، حتى تتنزل الأضواء والمصابيح على قلوبنا، فننهل من الرحمات، وتسكن قلوبنا سكينةٌ تطرد ما امتلأ فيها من ضجيج الحياة، ومشاقِ أكبادها وعنائها، سكينةٌ ترد الأيمان وتزيدُه، وتَجْلِب نُصرةَ الكلمة، وتُعلي صولة الحق.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله...
الخطبة الثانية:
سكينة الجوارح في زمن الجوائح:
الحمد لله...
عباد الله من أعظم أنواع السكينة: سكينة الجوارح، فما وقع الزلل، ولا تكاثر الخلل إلا بآفة العجلة والاضطراب، ولا نزع الحياء ولا قلت المروءة إلا بترك السكينة، روى البخاري عن بشير بن كعب: " مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينة".
السكينة من وظائف العبودية:
ومن هنا كانت السكينة سببًا من أسباب خشوع الجوارح، ووظيفة من وظائف العبودية، روى البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة".
وإن من السكينة إمساك اللسان وقت الفتن البوارح، والكف عن الشائعات والأراجيف زمن الأمراض والجوائح، وكِلُوا الأمر إلى أهله، وأعطوا القوس باريه، وبثوا في الناس الطمأنينة.
قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء: ٨٣.
السكينة في بث الأخبار:
وأمسك يدك عن النشر، إلا لبشرى تُثلج بها قلب مؤمن، أو فألٍ تُسْلِي به فؤاد مسلم، ولا تنشرْ إلا ما استوثقت من خبره، وتأكدت من عواقب أمره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات: ٦، وما آفة الأخبار إلا رواتها.
ومن كانت السكينة تنطق على لسانه، والطمأنية هي هِجِّيراه، وهي دلُّه وهديُه بين الناس فهو من أبعد الناس عن حمية الجاهلية، وألزمِ الناس بكلمة التقوى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الفتح: ٢٦ .
عبد الله. أنت محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان ليَثبُت قلبُك ولا يزيغ، لئلا تقوى وتصير الوساوس همومًا وغمومًا وإرادات ينقص بها إيمانك.
عبد الله. أنت محتاج إلى السكينة عند أسباب المخاوف على اختلافها ليثبُت فؤادُك ويسكن جأشُك.
عبد الله. أنت محتاج إلى السكينة عند أسباب الفرح لئلا يطمح بالفرح مركبُك فتتجاوز الحد، فإن من تجاوز الحد في فرحه انقلبت أفراحه أتراحًا وأحزانًا.
عبد الله. أنت محتاج إلى السكينة في الطرقات التي امتلأت بالغاضبين أثناء القيادة، فكن نبراس هدى لهم.
عبد الله أنت محتاج إلى السكينة في كل شروق وغروب، وما أنفعها بعد ذلك للقلوب، وما ألذ عواقبها لمن ألقى السمع وهي شهيد لكلام علام الغيوب...
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
(1) إعلام الموقعين، لابن القيم (4/154) .
(2) إعلام الموقعين، لابن القيم (4/154) بتصرف يسير.
(1) تفسير الطاهر ابن عاشور (26/146) بتصرف يسير