مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:17:26

نعمة في لقمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نعمةٌ في لُقمة

ونظرات في قوله تعالى:

(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)

27 / 2 / 1444هـ

الحمد لله الواحد القهار، مسبغٍ النعم على عباده في اليل والنهار، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد أن محمدًا المصطفى المختار، وسيدُ الخلق والأبرار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى، ومن كان بسنته اقتفى، إلى يومٍ يُنجي الله فيه عبادَه من النار، أما بعد:    

مقابلة تواتر النعم وكثرتها.

إن حقَّ الله تعالى أثقلُ من أن يقوم به العباد، ونِعَمَهُ أكثرُ من أن يحصيها كلُّ من عليها، فليس على الإنسان إلا أن يستغفر من عظيم تقصيره للمُنعِم-جلَّ في علاه- ولا نقول لأنفسنا إلا كما قال الأول: "أَصْبِحُوا توابين وأَمْسُوا توابين"([1]).

من مزالق النفس تحجيم النعم.

وإن من مزالق النفس في قصور نظرها أنها تظن أن النعم محصورةٌ في المَطعم والمَأكل والمَشرب والمَسكن، وهذا بعدٌ عن تصور نعم المَولَى التي أحاطت بالإنسان، وغمرته من رأسه حتى أَخمُصِ قدميه، لأنَّ نعم الله لا يعدُّها عادٌّ بالإجمال، فكيف يحيطها بالتفصيل([2])، لِظُلمِ الإنسان وشدّة كفره، (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم: ٣٤  قال أبو الدرداء: "من لم ير نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قلَّ علمُه وحضر عذابُه"([3]).

تأمل فقط في نعمة الدماغ، وكيف هو محاط بهالة مليونية من الأعصاب المُعقَّدة، لن تجد مثلها في أعقد الأجهزة التي اخترعها الإنسان، فالتعقيد الموجود في الدوائر العصبية الإنسانية ليس له نظير في أضخم الحواسب الجبارة، بل لا يزال البشر واقفين عاجزين مذهولين من قدرة خواص العقل الخارقة:" إن عقول جميع الخلائق لو رُكِّبت وجُعِلت عقلاً واحدًا، ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل، فسبحانه تقدس عن أوهام المتوهمين"([4]).

نعمةٌ في لُقمة.

لو أفنى الإنسان عمره في تقليب النظر في نعمة واحدة من النعم لما أحصى ما فيها من التسخير، ولما أحاط بكنهها وكيفية عملها، أو وصولها إليه، تأمّل فقط أيها الإنسان في هذه اللُّقمة التي تمضغها بين فكيك، وتُفنيها بين أضراسك في ثوان معدودة، إنها لم تصل إليك إلا لمّا تَمَالأ العالمُ كلُّه على إخراجها وإنباتها، ولا يمكن للعالمِ كلِّه أن يصنع شيئًا من ذلك لولا تسخيرُ الله لها بالأمطار، والتربة، والرياح، والفصول الأربعة، ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك والنجوم ومعرفة أوقات الزرع والحصد، ولا يحصل شيء من ذلك بدون أن تتذكر قوله تبارك وتعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) الحديد: ٢٥ الحديد الذي به آلاتهم ومصانعهم، ثم آلاتُ الطحن والخبز، وخطوطُ الإنتاج والتصنيع والفرز، ثم في نقله عبر الطائرات، والبارجات، والناقلات، في منظومة من ملايين البشر الذين لولا أنْ مَنَّ الله عليهم بالقدرة والقوة لما حصل شيء من ذلك.

ثم إذا وصلت اللقمة إلى فيك فتأمل في حالك أيها الإنسان وأنت تمضغ هذه اللقمة، وكيف جعلها الله في فمك عذبة طرية مخلوطة بلعاب وريق طيب، تحوطها آلات طحن أولية من ثنتين وثلاثين عظمة (هي الأسنان) يقلبها لسانٌ سهلُ الحركة، قويُّ العضلة، وأنت في صحة وعافية تنعم بشهيةٍ وإقبالٍ على النعم، ولولا ذلك ما هنئ الإنسان بشربة ماء.

ولا يمكن للإنسان أن يعرفَ ويتصورَ ذهابَ هذه اللقمة من بين فمه ودخولَها إلى عمق بدنه وكيف تتحول إلى دم وجلد وعظام، إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب، كلُّ ذلك يقال في نعمة واحدة، هي نعمة اللقمة، ومالم نحصه أكثر، ولو كُتب فيه آلافُ الخطب.

هنا يبدو لك بيّنةُ اللهِ في صدقِ كلامِه، وعظيمِ قيلِه لما قال: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).

(إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم: ٣٤

وتأمل كيف ختم الله تعالى قوله: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) بقوله: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ، نعم! ما أشدَّ ظلمَه! وما أشدَّ كفرَه! فأسرعُ شيء ينساه الإنسان النعمُ التي أحاطته من كل اتجاه، وإنْ تَذَكَّرَها مرة بعد مرة فإنه يملُّها، ويعتادها، حتى لا تكون ذاتَ قيمةٍ عنده، ولو حاول أن يتأمل في بعضها لنسي بواقيها، ويصدق على الإنسان ما أخبر الله به عنه (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) العاديات: ٦، قال الحسن في معنى (لَكَنُودٌ) العاديات: ٦ أي: "معددٌ للنقم، ناسٍ للنعم"([5]).

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار

وأنزل علينا موجبات رضاك عنا واجبر تقصيرنا واغفر لنا إسرافنا في أمرنا

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...

( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) القصص: ٥٧.

إننا نمرُّ بظروف عالمية استثنائية، حروبٌ ملتهبة، وتضخمٌ قَصَم ظهور دول، وغلاءٌ في المعيشة، وارتفاعٌ في تكلفة إمدادات النفط ومشتقاته، وأنتم في هذه البلاد تُغيثون دولاً منكوبة في مشارق الأرض ومغاربها، من الباكستان وحتى السودان، تعيشون في عالم آخر، غيرَ متأثرين بأزمات العالم من حولكم، إلا كسفعة هواء، ولفحة رذاذٍ وماء، ( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) القصص: ٥٧ ، بل وأصبحت بلادُكم بلادَ ثِقَلٍ سياسي مؤثرٍ في قرارات العالم الملتهب، نعيش آمنين في أسرابنا، ننعم بنعمة التوحيد التي هي أساس نعم الدنيا والآخرة، يأتي العمَّارُ والحجاج إلى بلدكم وقد امتلأت قلوبهم سكينةً وأمنًا وطمأنينة، فيجدون منكم توحيدًا خالصًا، ومنهجًا نبويًا سلفيًا قويمًا، وينعمون بكرم الضيافة، ولباقة المعاملة، ولا شك أنها نعمٌ عظيمة، تستحق الشكر لله سبحانه، ثم تستحق إظهار الولاء واللحمة والتكاتف مع الحاكم والمحكوم، مع الراعي والرعية، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران: ١٠٣  

فاللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  تفسير ابن كثير (3/340).

([2]انظر: تفسير الكشاف (2/557).

([3])  تفسير ابن عطية (3/340).

([4])  تفسير مفاتح الغيب (19/99).

([5])  تفسير ابن كثير (8/467).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة