مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:13:58

مدخل الصدق ومخرج الصدق

بسم الله الرحمن الرحيم

12 / 4 / 1442

"مدخل صدق ومخرج صدق"

تثوير لمعاني الدعاء القرآني

الحمد لله...

بركة أدعية القرآن

أعظم دعاء هو دعاءٌ علمك الله إياه في كتابه، فهو بلسم وشفاء، ونور وهدىً وضياء، وما وُجِدَت البركات ولا حصلت الخيرات بمثل دعاءٍ قرآني على لسان نبي، أو على قصة ولي، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) الإسراء: ٨٢،  ومن أدعية القرآن الجامعة، التي لا تنفك بحال في شأن من شؤون الإنسان هذا الدعاء الذي علمه الله نبيه.

النبي يُعَلَّم دعاءً في أحلك ظروف الدعوة.

ففي أحلك ظروف الدعوة، وأصعب مواقف الإسلام، أمر الله نبيه أن يقول هذا الدعاء العظيم، ألا وهو قوله جل جلاله: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) الإسراء: ٨٠

وذلك أنه لما ائتمر كفار مكة بالنبي ليقتلوه، أو يطردوه، أو يُوثِقوه أمره الله أن يخرج منها إلى المدينة، قائلاً: " رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ"، أي: أدخلْني المدينة بالعز والقوة والقدرة والحجة على جميع من خلقت، وأخرجْني من مكة إلى المدينة لا ألقى إلا مؤمنًا ومجيبًا.

فهذا المدخل والمخرج من أجلّ مداخله ومخارجه ، ومداخلُه ومخارجُه كلُّها مداخلُ صدق ومخارجُ صدق، إذ هي لله، وبالله، وبأمره، وقد أجاب الله لنبيه دعاءه يوم قال: " رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ"،  فأدخله المدينة بصدق، وأخرجه مكة بصدق، وأدخله الغار بصدق، وأخرجه منه بصدق، ثم تمت الهجرة، ولا يزال يتقلب في أبواب الصدق ويخرج منها: غازيًا، مجاهدًا، معتمرًا، حاجًا، معلمًا، منفقًا، متزوجًا، مسافرًا.

مخرج المنافق مخرج الكذب ومدخل الكذب.

ولما قال المنافق البائس في المدينة (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) المنافقون: ٨ ، أخرج الله المنافقَ وأماتَه؛ لأنَّ مخرجَه الكذب، ومدخلَه الكذب،  وأدخل النبيَّ المدينة بعد تبوك عزيزًا مُمَكّنًا، وكلُّ منافق بعد رأس النفاق فإنما يفتح لسانَه و قلمَه بالكذب، ويغلقهما بالكذب،  يريد الذلة لدين الله، فيطعن في ثوابت الدين، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) المنافقون: ٨.

استدار الزمان وأعاد الله دخول نبيه من حيث خرج.

ومضى زمن وزمن، حتى أعاد الله لنبيه دخوله من حيث خرج، فدخل مكة بصدق، وأخرجه منها بصدق، وذلك في فتح مكة، فتم له النصر والتمكين،  ودخل مكة يوم الفتح، وحَوْلَ البيت ثلاثُمئة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) الإسراء: ٨١ فجعل الصنم ينكب على وجهه.

حتى خرج من الدنيا بصدق، وقَدِم على ربه بمقعد صدق، ويوم القيامة سيبعثه الله مقامًا عظيمًا، فهو أول  من ينشق عن قبره، وهو من يشفع للخلق كلِّهم في أن يجري الله على الناس الحساب، ويخلصهم من كُرَبِهم، فهذا قوله تبارك تعالى: (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) الإسراء: ٧٩ فصلوات ربي وسلامه عليه.

إياك ودخول ذي الوجهين([1]).

         كما دل هذا الدعاء العظيم " رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ" على التعوذ من أخلاق ذي الوجهين.

فأنت تسأل الله أن تدخل إذا دخلت بوجه صدق، وتخرج إذا خرجت بوجه صدق، فإنّ ذا الوجهين لا يكون أمينا عند الله، ومما يَدْخُل في الملام، ولا يُعدُّ من شيم الرجال: أن يُثْني عليك أحدُهم بوجهك خيرًا ، ثم يثني عليك في ظهرك شرًا، وإنما هذه سيمة المتلون الجبان، وقد كان ابن عمر يقول: "كنا نعد ذلك نفاقًا زمن النبي" ([2]).

ادخل دخول المخلصين، واخرج خروج المتواضعين.

    استشعر يا عبدالله  وأنت تدعو: " رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ " أن يكون دخولُك في الأشياء بالله، ولله لا لغيره، وخروجُك عن الأشياء بالله ولله لا لغيره([3])، فادخل إلى الصلاة مدخل الصادقين: مُعظمًا لله قائلاً: الله أكبر، مستعينًا بحوله لا بحولك، راجيًا ثوابه لا ثواب الناس، ثم اخرج منها متواضعًا مستغفرًا، ترجو أن يُقبل منك، متذكرًا بِوَجَل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) المائدة: ٢٧، وكذلك كلُّ عبادة ادخلها لله، واخرج منها لله، ولا تجعل للخلق منها نصيبًا يزاحم حق الله الأجل.

الدخول لأول منازل الآخرة.

كما أنك إذا قلت: " رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ"، استشعر ذلك المُدخل العظيم، الذي لا يشابهه شيء في الدنيا، ثم ذلك المُخرج الأعظم الذي تبدل به الأفلاك والدنيا، وهو دخول القبر، وخروجك منه، فكأنك تقول: "أدخلني في قبري مُدخل صدق، وأخرجني منه مُخرج صدق"، فتدخل إليه وأنت مؤمن تائب، وتخرج منه إلى رَوْح وريحان وربٍّ راض غيرِ غضبان، تدخل إليه فيُفتح لك بابٌ من الجنة، ويُمَدُّ لك فيه مدَّ البصر، فتقول رب أقم الساعة، وتخرج منه وقد أظلك الله في ظله عرشه

 (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) المعارج: ٨ - ١٠  

الخطبة الثانية:

الحمد لله...

أصل الدعاء ومعناه.

        وجامع هذا الدعاء: الصدق، فأنت إذا قلت: " رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ " فإنك تسأل الله الصدق في جميع أفعالك وأقوالك؛ فإن حياة الإنسان إنما هي دخول وخروج، إذ لا يخلو العبد من هذين: من الدخول في أمر والخروج منه، ولا توفيق للعبد إلا إذا أُعطي الصدق في كل خَرْجَة ودَخْلَة من حياته، فادع بهذا الدعاء مستحضرًا أن يحسن الله حالك في كل ما ينالك من الأمور ويعتريك من الأسفار والأعمال، وانتظر من الله حسن تدبير المقادير في الموت والحياة،  فَمَخْرَجُ كل واحد ومدخلُه لا يعدو الصدقَ والكذبَ، فسلوا الله العافية.

وهذه خمسة في الصدق في القرآن:

 مدخل الصدق، ومخرج الصدق، وقد مضيا.

 ولسانُ الصدق، كما قال الخليل: (وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) الشعراء: ٨٤ ، ولسان الصدق: أن تسأل الله الثناء الحسن، والذكرى الطيبة بين الناس.

وقدم الصدق، كما بشر الله عباده: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) يونس: ٢ ، وقدم الصدق: ما تقدمه من أعمال صالحة تدنيك من رضا الله ورحمته.

ومقعد الصدق، وهو نهاية النهايات، ومن أعظم العطايا والهبات، وهي جنة الخلد: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) القمر: ٥٤ - ٥٥.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) ذكر هذا المعنى من الآية الثعلبي في تفسيره، وهو من بديعه (6/127)

(2) رواه البخاري

(1) انظر: تفسير القشيري (2/365)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة