بسم الله الرحمن الرحيم
2 / 6 / 1442هـ
الدعاوى الكيدية
عموم البلاء.
إن المؤمن في هذه الدنيا معرض للبلاء، ولن يعيش أحد على الأرض حياة كاملة سانحة، إذْ كتب الله على مَنْ عليها تَلوُّنَ الأفراح وتغاير الأتراح، قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) البلد: ٤.
لا طِيْبَ للعيش ما دامت منغصةً
لـذاتُه بادِّكــــــار الموتِ والهَــرَمِ
بل ولن يذوق العبدُ هناءً صافيًا لا يشوبه أيُّ كدر إلا إذا جاوز الصراط وفُتِح له بابُ الجنة، قال بعضهم: "إن المؤمن لا تسكن روعتُه ولا يأمن اضطرابُه حتى يُخلِّف جسرَ جهنم خلف ظهره"([1])، لكنَّ المؤمن يُطفِئ كلَّ كَدَر باستشعار ذائقة الثواب والأجر، "فحلاوة أجرها تنسي مرارة صبرها"([2])، كما يطفئ ذلك تذكرُ: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) إبراهيم: ٣٤
قهر الرجال.
وبما أن العيش محفوف بالهموم، مقرون بروائح الأحزان والغموم، عَلّم النبيُّ ﷺ أمتَه دعاءً جامعًا مانعًا، قال أنس:" كنتُ أسْمَعُ النبي ﷺ كَثِيرًا يقولُ: "اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والبُخْلِ والجُبْنِ، وضَلَعِ الدَّيْنِ، وغَلَبَةِ الرِّجَالِ"([3]).
ولنعش مع قوله ﷺ: "غلبةِ الرجال"!
أتدري ما "غلبةُ الرجال"، إنه قهرهم وتسلطهم.
وأنت ترى أن النبي ﷺ قرن قهر الرجال بضَلَع الدين: "فإن استعلاء الغير عليك إن كان بحق فهو من ضلع الدين، وإن كان استعلاء الغير عليك بباطل فهو من قهر الرجال"([4])، فكلُّ من استعلى عليك بباطل فقد قهرك، وهذا القهر يورث الكَمَدَ والغمَّ، وشدةَ وَهَنِ النفس، ومن قهر الرجال ما يورث للمرء العجز أنْ يدفع عن نفسه مكرَهم، فيكونُ مُكَبَّلَ شيطنتِهم وتسلُّطِهم، وقد يورث قهرُ الرجال شماتةَ الأعداء، وانكسارَ النفس، وشعورَها بالخيبة.
من أنواع قهر الرجال: الكيد في الدعاوى.
ومن قهر الرجال: الفجورُ في الخصومة، والكذب في الدعاوى، وقد يؤتي الله بعضَ الرجال لسانًا فصيحًا، وعقلاً منيعًا، وقلمًا رصيفًا، ولكنه يصرف ذلك في استمطار الباطل، واستئكال الحقوق، وهذا النوع من الرجال خصه النبي ﷺ بالذكر وتهدده بالوعيد، روى البخاري في باب: إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ عن النبي ﷺ :"إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ".
فكم مِنْ رجل عادل ذي وِلاية: مديرِ دائرة أو إدارة، ورئيس قسم أو خفارة، يجتمعون في أنَّ الواحد منهم نزيهُ اليد، صادقُ اللسان، أبيضُ الصفحات والسجلات، لا تشم منه إلا السيرة العطرة، ولكنْ...رَجَمَهَا الكائدون بدعاوى زائفة، وترافعاتٍ ظالمة، ليس لهذا الرجل النزيه جرمٌ عليهم إلا أنه أقام معهم العدل والميزان، وأعطى كلَّ ذي حق حقه، ومَنَحَ الفُرَصَ بالتساوي، ولم يُقرِّب قريبًا له دون مَنْ هو أحق منه، فمنع من تحت وِلايته من الفساد والإفساد، ولم يجعل لهم طريقًا لأكل المال العام، أو التواني في العمل والانتظام، فجاء هؤلاء المرجفون الطامعون بالانتقام، فكتبوا دعاوى كيدية، وشكاوى شيطانية، فخوَّنوا في كتاباتهم الأمين، وأرادوا بأقلامهم تأمين الخائن اللئيم.
ولأن الشيطان معهم فإن كيدهم من أضعف الكيد، وسعايتهم ستعود عليهم بالتكبيل والقيد، لأن الله قال في كتابه: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء: ٧٦، ووعد المؤمنين النزيهين عن كل فساد وإفساد فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) الحج: ٣٨.
فهنيئًا لك أيها الصادق الأمين أن تشرفت بدفاع الله عنك، فمن كان الله معه فلن يضرَّه من تخلى عنه، ومن تخلى الله عنه فلن ينفعَه كلُّ من كان معه.
فهذه رسالة إلى كل شريف حاولت الضباع الكائدة المسعورة أن تنهش منه حقًا ليس لها، أو تنزع منه كرامة قد رفعه الله بها: توكل على الله، وكن بثقة مِن وعد الله إذ قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) النحل: ١٢٨، وافزع إلى مَن إذا دعوته أجابك، أو استنصرت به نصرك، أو التجأت إلى عظمته حماك ومنعك، ولا تستبطئ الفَرَج، واستيقن بقول الله إذ قال: "وعزَّتي وجَلالي لا يُجاوزُني ظُلمُ ظالمٍ"([5]).
ورسالة إلى الذين ليس لهم من أوقاتهم إلا إشغال المسؤولين بالخطابات الكيدية: أين تذهب عن دعوة المظاليم، وأين تفلت مِنَ الله إذا وَقَعَتْ عليك أدعية الملحين والله يقول:" اتَّقوا دعوةَ المظلومِ فإنَّها تُحملُ على الغمامِ يقولُ اللهُ: وعزَّتي وجلالي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ"([6]).
فاللهم إنا نعوذ بك من غلبة الرجال
ونعوذ بك أن نَظْلم أو نُظْلم
الخطبة الثانية: الحمد لله...
موعظة لمن تحامى عن باطل يعلمه.
عبد الله. إذا رأيت مظلومًا فكن له ناصرًا، وابتعد عن الظلمة، ولا تعنهم بشطر كلمة، وكُنْ كما قال الله تعالى: (وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) النساء: ١٠٥، فإن من أعان ظالمًا على ظلمه حلَّ عليه غضبُ الله ومقتُه، قال ﷺ: "ومَن خاصمَ في باطلٍ وهو يعلَمُ لم يزَلْ في سخَطِ اللهِ حتَّى ينزِعَ"([7])
وهذه نصوص عبرةٍ وموعظةٍ لمن تحامى عن الظلمة، مع علمه بظلمهم، فترافع عنهم، وجادل في المحاكم عن دعواهم، لأجل لُعَاعة من الدنيا، وحَفَنَات من المال، حتى مات المظلوم كَمَدًا، بعد أنْ طالت عليه سنون عمره يطالب بحق من حقوقه، فويل للطالب من المطلوب، ويل للظالم من المظلوم.
وهذه نصوص عبرةٍ وموعظةٍ لكل من نصر مبتدعًا في بدعته، وعاون صاحب هوى في هواه، لا تدافع عنهم في باطلهم، ولا تُقَوِّ شوكتَهم على إخوانك أهلِ الحق، وليكن غايتُك ومطلبُك نُصرةُ دين الله وشرعِه، ولْيَعْلُ عينيك قولُ الحق (ن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد: ٧
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) التخويف من النار، لابن رجب (ص:243)
(1) مدارج السالكين، لابن القيم (2/167)
(2) رواه البخاري.
(3) الجواب الكافي، لابن القيم (ص:73)، بتصرف يسير.
(1) رواه الطبراني، وفيه يزيد بن ربيعة، وقد ضعفه جماعة، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال الهيثمي: بقية رجاله ثقات.
(1) رواه الترمذي، وحسنه.
(2) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح.