بسم الله الرحمن الرحيم
10/12/1441
الفرحُ الحق وفسحةُ الدِّين([1])
الحمد لله...
تقلب الأيام:
للأيام أفول وانصراف، كما للشمس شروق وغروب وانكفاف، وتمضي الأيام على محور الإنسان، وتتقلب صروفُ الدهر في هذه الحياة بإذن الله، وليس للإنسان منها إلا ما رسمه الكاتبان، وخطه الملكان.
فماذا جعل الإسلام في أيام السنة مما يُبعد الكلل، ويطرد السآمة والملل، ويحيي في النفوس التفاؤل والأمل، ويعين على نوائب الحق؟
ماذا جعل الإسلام من دوحة الفرحة، ورياض التسامح ونشر البسمة بين أطياف المجتمع: المسلم والمسالم؟
الفرح الحق:
في شريعة الإسلام: جعل لك مولاك ما تطمئن إليه نفسُك، ويسكن إليه فؤادُك، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد: ٢٨ ، فهنيئًا لك ما قدمته نفسُك من عبادة: صلاة وقيام، وذكرٍ وتعبدٍ بصيام، وانشراح قلبٍ برجوع واستغفار، فمجوع ذلك هو الأنس، وكل ذلك هو القرار.
في شريعة الإسلام: تتجدد ألطاف السعادة، وترتسم لحظاتُ انشراح الصدور، ويأمر الله بالفرح الحق، فلا فرح أسمى، ولا بسمة أبهج، ولا سعادة أعلى من فرحٍ كان سبَبَه فلاحُ الدنيا والآخرة: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) يونس: ٥٨، "فإن الإسلام الذي دعا الله إليه، والقرآن الذي أنزله على الناس، خيرٌ مما يجمع الناس من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها" ([2]).
في ديننا فسحة، وصورة من فرحه ﷺ:
بوب البخاري في صحيحه: "باب سنة العيدين في الإسلام"، وروى عن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا"، وعند مسلم أنه ﷺ قال: "دونكم يا بني أَرْفِدَة"، وعند أحمد أنه ﷺ قال: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".
نعم. صدق وهو الصادق المصدوق ﷺ:" في ديننا فسحة "، فكان ﷺ يحثهم على هذا اللعب في أيام العيد الذي هم فيه، ويقول:" يا بني أَرْفِدة-وهو لقبٌ للحبشة- عليكم بهذا اللعب الذي أنتم فيه "([3]).
وسطية الإسلام بين المتصوفة وبين أهل المجون:
وفي قول عائشة: "جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، قالت: وليستا بمغنيتين" أي: "ليستا ممن يَعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بالفحش، وهذا منها تحرز عن الغناء الذي يُحرِّك الساكن، ويبعث الكامن، مما فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة" ([4]).
ففي قول عائشة: "وليستا بمغنيتين": ردٌّ على المتصوفة الذين تعبدوا الله بالرقص كرقص النساء، ووثوب كوثوب المجانين والصبيان، وجعلوا ذلك: "من باب القُرَب وصالح الأعمال! وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المَخْرَفة"([5]).
وفي قول عائشة: "وليستا بمغنيتين": ردٌّ على أهل المجون والفسق من كان يتغنى "بتمتطيط، وتكسُّر، وتهييج، وحركات مثيرة، وبغناء فيه تعريض بالفواحش أو تصريح بها، أو ذكر الهوى والمفاتن، فهذا وأمثاله من الغناء لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه مطية الزنا وأحبولة الشيطان"([6])
فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، فإن أساس العافية هي عافية الدين، وأعظمُ سلامةٍ للمرء أن يسلم في إسلامه عن الشرك والخرافات والبدع، والمنكرات والفتن والشهوات.
فافرحوا بالعيد، والبسوا من الثوب الجديد، والهجوا بشكر رب العبيد ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم: ٧
فاللهم فقهًا في دينك، وسدادًا لمعرفة طريقك، وعافيتك ومعافاتك في الدنيا والآخرة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
لا تكسل عن الأضحية وأنت ذو جِدة:
ثم اعلموا عباد الله، أن الذبح لله من أعظم القربات الماليّة، وأنه قرينة الصلاة، وأن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، وأن الذبح لله توحيدٌ، وتعظيمٌ، وشعيرةٌ (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: ٣٢
فعجبًا لمرء ملَّكه الله قدرة ومالاً ثم هو عنها ببعيد، مع أنه ينفق القنطار والدينار فيما هو أقل من ذلك.
ولْتعلمْ يا عبدالله أنك بأضحيتك شاركت الحجَّاجَ، وتشبهت بهم، فالحجاج يتقرَّبون إلى الله بذبح الهدايا، وأهلُ البُلدان يتقرَّبون إليه بذبح الضحايا، كما أنك تشبهت بهم في مسك الأشعار والأبشار عن التقصير أو الحلق لما نوت الأضحية أوّلَ العشر، تشبهًا بالحجاج الذي أمسكوا عن ذلك، فنعم المُشبه، ونعم المُشبه به.
تقبل الله منا منكم الأضحيات، وضاعف نوال الطاعات والقربات، وألبسنا وإياكم لباس العفو والعافية في كل عام، وفي مرور كل عيد ما غرد طائر وحام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
حقوق بين الرجال والنساء، وهمسة لكل النساء:
عباد الله، إنما أنتم من ذكر وأنثى، والإسلام بشريعته العادلة أعطى للنساء حقًا كما أعطى للرجال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: ٢٢٨، فاتقوا الله في النساء، وقد علتم قوله ﷺ:"إنما النساء شقائق الرجال"([7]).
فمن تقوى الرجال في النساء: القيام عليهن بما فيه خير الدنيا والآخرة، قال ﷺ:" ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"([8]).
ومن تقوى النساء في الرجال: الطاعة للزوج بما له من حق القوامة، قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء: ٣٤.
ويا أختي المسلمة ما أجملك وقد جَمُلت بشريعة الله، فارتديت الحجاب، وجانبت الاختلاط، وتخمرت بالحياء، ورفعت قول رب السماء (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) الأحزاب: ٣٣ ، وصممت آذانك عن دعاة الرذيلة، وابتغيت كل باب يوصل للفضيلة، فأنت ابنة العفاف، وبك يَحْسُن الجيل.
(1) في هذا اليوم وافق يومُ الجمعة يومَ العيد.
(1) جامع البيان، للطبري (15/105)، بتصرف يسير.
(1) شرح النووي على مسلم (6/186).
(2) كلام القرطبي نقلاً عن ابن حجر في الفتح (2/442)، بتصرف يسير.
(2) المرجع السابق.
(2) تعليق مصطفى البغا على البخاري.
(1) رواه أحمد، وصححه ابن باز.
(2) رواه مسلم.