بسم الله الرحمن الرحيم
10 / 3 / 1447
رسائل إلـى صاحب ثغر([1])
الحمد لله الذي أعزّ الأمة بجنده المخلصين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعينـ أما بعد:
1-تحفيز وترغيب.
صار دعاء الناس لا ينقطع لكم مع ولاة أمورهم: اللهم احفظ أمراءنا واحم جنودنا، فإذا دعا الناس لولاة أمرهم بالصلاح، رفعوا مع الدعاء أسماءكم، وإذا ابتهلوا لحفظ البلاد، قرنوا ذلك بسلامتكم.
لأننا ننطلق من قواعد بشّرها رسول الله 2 فقال: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» ([2]).
وأي العينين أعظم؟ لا شك أن الثانية أعظم لأن نفعها متعد على حفظ الدماء، والأعراض، والأموال، والأديان، قال 2:" رِباطُ يومٍ وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتَّان" ([3])، ينمو عمله ويجرى رزقه إلى يوم القيامة لأنه حي ليس بميت قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) آل عمران: ١٦٩.
2-الأمانة وحساسية العمل العسكري.
أيها الجنود، إن عملكم أمانة، والأمانة ليست شعارًا يُرفع، بل دمٌ يجري في العروق. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) النساء: ٥٨
أيهما أعظم الأمن الداخلي أو الخارجي؟
وحفظ الأمن الداخلي أعظم من الأمن الخارجي، لأن العدو في الداخل غالبًا يكون متسترًا، ابن العلقمي اسم للخيانة، فبسببه سقطت الخلافة تحت سطوة التتار، في خلافة المستعصم، إذ كان العلقمي يثبت الجنود، ويضعف الشيخ، يقولُ ابنُ كثيرٍ: "ثم كاتب التتارَ، وأطمعهم في أخذِ البلادِ، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقةَ الحالِ، وكشف لهم ضعفَ الرجالِ"([4]).
3- التفاضل بالتقوى والقوة لا بالرتب الرتب العسكرية.
الميزان هو التقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات: ١٣، وقد يكون جندي صادق في نوبته، يذود عن وطنه بإخلاص، أعظم أجرًا عند الله من صاحب رتبة عالية يطلب بعمله ثناء الناس.
ثم الميزان الأخر القوة، منذ فجر التاريخ عرفت الأمم أن البقاء لا يكون إلا بقوة تحميه.
فها هي سبأ يقول جنده لها: (نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ) النمل: ٣٣
جندي واحد يقلب موازين المعركة!
الجندي الأول: وها هو داود عليه السلام يسخّر الله له الحديد ليصنع به الدروع، فقال تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) سبأ: ١٠ - ١١، فألان له الحديد كالعجين، وهو أول من نصنع الدروع من الحديد وكانت قبل ذلك صفائح ([5])، وكان داود جندي من جنود طالوت، وفي معركة طالوت مع جالوت، وكان جالوت ذا جيش ساحق حتى قال جنود طالوت: (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) البقرة: ٢٤٩، لكن كان الذي قتل جالوت هو داود؛ فلذا قال الله تعالى: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ) البقرة: ٢٥١
الجندي الثاني: وهنا نتذكر القعقاع بن عمرو يوم القادسية وهو الذي قال عنه أبو بكر: «صوت القعقاع فِي الجيش خير من ألف رَجُل» ([6])، فكان أول من بدأ القتال، يهز الصفوف، ويكسر معنويات العدو، حتى كتب الله النصر.
وعكس القوة التماوت والضعف ينافي الإيمان، فالإيمان قوة في الباطن والظاهر، في الخلق والسلوك، في المخبر والمظهر معًا، رأى عمر رضي الله عنه رأى رجُلًا مُطَأْطِئًا رأسَه فقال: "ارْفَعْ رأسَك فإن الإسلام ليس بِمَريِض" ورأى رجُلًا متَماوِتًا فقال: "لا تُمِت عَلَيْنَا دِينَنَا أماتَكَ اللّهُ" ([7]).
4- الطاعة واحترام الأوامر
ولا ينتظم جيش بلا طاعة، ولا تُحفظ قوة بلا نظام. قال 2: «مَن يُطِعِ الأمِيرَ فقَدْ أطَاعَنِي، ومَن يَعْصِ الأمِيرَ فقَدْ عَصَانِي» ([8]).
قال عمر: "يا معشرَ العُرَيْبِ، الأَرضَ الْأَرْضَ، لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة" ([9]).
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم
وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُــــهُم ســـــــــادوا
وهنا يبرز موقف خالد بن الوليد رضي الله عنه لما عزله عمر عن إمارة الشام، وولّى أبا عبيدة مكانه، في خطاب قال فيه عمر لأبي عبيدة: "إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ، وَعَزَلْتُ خَالِداً" ([10]). لم يغضب خالد، بل قال: «إنما أقاتل لله، لا لعمر»، ومكث أربع سنوات، لا ينازعه.
ثم صار جنديًا بعد أن كان قائدًا، يعلّم الأمة أن الطاعة لله، وأن النصر يُكتب بالإخلاص لا بالألقاب.
5- كن تنافسيًا ولا تحسد أحدًا.
إنكم في ميدانٍ عظيمٍ جليل، ميدان الحراسة والجهاد وحماية الدين والوطن، وكل واحدٍ منكم على ثغرٍ من ثغور الأمة، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) الصف: ٤، وإن أعظم ما يُفسد القلوب ويضعف الصفوف داء الحسد، فهو نارٌ تلتهم الصفوف وتضعف القوة. قال النبي 2: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا»
وهذا كما قال بعضهم: "لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله".
وعلى المحصود أن يصبر ولا يقابل الحسد بمثله:
اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها ان لم تجد شيئاً تأكله
فتنافسوا في التضحية والصدق والانضباط، لا في الدنيا ولا في الرتب.
فإن الصف الممزق بالأهواء ينهزم ولو كثر عدده، والصف المجتمع على الإخلاص كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا ([11]).
الخاتمة
أنتم سياج الوطن بعد الله، وأنتم الدعاء الذي لا يغيب عن ألسنة الناس مع ولاة أمورهم.
اقتدوا بالقعقاع في صدقه وإقدامه، وبخالد في طاعته وإخلاصه، واذكروا سبأ في قوتها، وداود في دروعه، وأدّوا الأمانة حقها.
نسأل الله أن يحفظكم، ويثبت أقدامكم، ويكتب أجركم، ويجعلكم ذخرًا لوطنكم وأهليكم، وفخرًا لأمتكم ودينكم.
8 10 / 3 / 1447
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) كلمة ألقيت في مركز التدريب على الطلبة الجامعيين.
([2]) رواه الترمذي.
([3]) رواه مسلم.
([4]) البداية والنهاية (13/202).
([5]) تفسير مقاتل بن سليمان (3/526).
([6]) أسد الغابة (4/390).
([7]) الذخائر والعبقريات (1/178).
([8]) رواه البخاري.
([9]) أخرجه الدارمي في السنن باب ذهاب العلم.
([10])سير أعلام النبلاء (1/378).
([11]) قصة طريفة يختم بها الحديث: وقف ملك أمام حسود وبخيل، وقال لهما: "تمنّيا ما تريدان، وسأعطي الثاني ضعف ما يطلبه الأول"، بدأ الحسود يقول للبخيل: "أنت أولاً!"، وأجابه البخيل: "أنت أولاً!"، تشاجرا طويلاً، وكان كل منهما يخشى أن يطلب شيئًا أولاً، لئلا يحصل الآخر على ضعف ما أصابه. وعندما أصر الملك على أن يطلبا، قال الحسود: "يا مولاي، اقلع عينيّ!". المغزى من القصة: أن الحسد يمكن أن يدفع الشخص إلى تمني الشر لنفسه وللآخرين، لأنه يدفعه إلى رؤية نِعَم الآخرين بعين الحقد والكره. فالحسد مدمر.