بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شياطين تقرأ القرآن!
الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، وجعل فيه آياتٍ محكماتٍ هدى ورحمة، وأرسل رسوله ليبيّن للناس ما نُزّل إليهم، والصلاة والسلام على إمام الهدى وخاتم الأنبياء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعدُ:
صوت رخيم من منافقٍ عليم.
في زمنٍ تتقاذفنا فيه الفتن كما تتقاذف الأمواجُ زورقًا صغيرًا في بحر هائج، نتصارع مع الحياة في أخبارٍ متجددة، وحوادثَ غريبةٍ متعاقبة، وأزماتٍ معقدة شائكة، تَعرف منها وتُنكر.
وفي خضم هذا الضجيج الهائل، يعلو صوت طري، ومَسْمَع نوراني، إنه صوت القرآن، لكنّه خرج من أفواهٍ لم يذق قلبُها طعم الإيمان، أصواتٌ رخيمة، آياتٌ تُتلى، ومع ذلك ترى هذه الأفواه تستدل بالقرآن على الباطل، وتتلوا الكتاب لمصلحة الظالم، فيغرق السامعُ في حيرة: كيف يمكن لكلام الله أن يخرج من لسانٍ يجعل القلوب تزيغ عن الحق؟ وقد أسميت هذه الخطبة: (شياطين تقرأ القرآن!)
نعم. هنا تكمن الفتنة العظمى التي حذّر منها النبي H حين قال: "إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكُم بعدي، كلُّ منافقٍ عليمُ اللِّسانِ" ([1]).
في زمنٍ كثر فيه المتحدثون باسم الدين، وكثرت المنابر والوسائل التي تتلى فيها الآيات، أصبح الخطر الحقيقي ليس في غياب الدين، بل في توظيف الدين لأغراض باطلة، حتى نرى الشياطين -شياطين الإنس والجن- تتلو القرآن لتضل الناس عن مقاصده.
ولنبدأ بشياطين الأنس التالية للقرآن، ثم نعرج على شياطين الجن التالية كذلك للقرآن.
أولًا: شياطين الإنس. إن أخطر ما يهدد صفاء الدين هو ذاك الذي يُحسن الكلام ويُتقن البلاغة، لكنه يسخّره لهدم ما بناه القرآن والسنة في قلوب الناس. منافقٌ عليمُ اللسان يعرف من أين تُؤكل الكتف، يجعل من آيات الله سُلَّمًا لتبرير الانحرافات، وغطاءً لتزيين المعاصي.
لا تخف من مؤمن ينهاه إيمانه، ولا فاسقٍ بَيّنٍ فسقُه.
هذا اللون من الإنس ليس جديدًا، فقد خافهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الناس حين قال كلماتٍ عظيماتٍ خرجت من مُحدَّث مُلهَم، فقال: "ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ولا من فاسق بَينٍ فِسقُه، ولكن أخاف عليها رجلًا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله" . فالمؤمن يحجزه إيمانه عن الظلم، فلا يُخاف منه، والفاسق مفضوح بفسقه، فهو معروف لا يخشى من بغتته وغوائله، لكن الماكر الذي يخاف منه مَن يخلط الحق بالباطل فيفتن الناس، فيظنونه من أهل العلم والهدى، وهو في الحقيقة من ألدّ أعداء الدين، يغتر به الناس ويحسبونه عالمًا مرشدًا، وهو في الحقيقة بابُ فتنةٍ يُفتَح على الأمة.
لقد أدرك السلف خطر هؤلاء الإنس، فكانوا يحذّرون الناس من أخذ الدين عن كل متحدثٍ بارع، ويقولون: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". فليست الفصاحةُ معيارًا على العلم، ولا جمالُ الصوت دليلاً على الصدق، وإنما المعيار موافقةُ القولِ للعمل، واتباعُ السنة، وثباتُ القدم على الحق.
إن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس كفرُ أعدائها الصريح، بل تزييفُ الحق من منافقي دواخلها، يُخلِّطون على الناس فيضيع الحق وتضيع معه البوصلة، فيبقى القابض على دينه كالقابض على الجمر.
ثانيًا: شياطين الجن. وإن مما خفي على كثير منّا أن أخطر ما يضل الإنسان هم شياطين من الجن يحدثونكم، وين شرون الغي بينكم، كما قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) الأنعام: ١١٢، ويكمن خطر هؤلاء الشياطين أنهم على أشكال إنس، نعم. شياطين حقيقة تقرأ القرآن! روى مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عمرو قال: "إنَّ فِي البَحرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا" ([2]). ومعنى هذا الأثر الإخبار بأن هنالك شياطينَ مسجونةً في ملك النبي سليمان، وأنها ستخرج لا محالة، إما من قعر البحار، أو من سحيق الجزر، فتكسر قيودها، وتتحرر من رباطها، وتنطلق بين الناس، فتموه على الجهلة بشيء تقرؤه وتلبسُ به عليهم؛ أو تسردُ عليهم أحاديث كاذبة تسندها للنبي H ([3]).
وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود قال: "إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القومَ فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه يحدث" ([4]).
وما أكثر الشائعات اليوم، وكم من الأحاديث الغريبة في كل يوم، منقولاتٌ مريبةٌ تصل إلينا عن طريق التطبيقات المختلفة: عبر الواتس ومنصة إكس، ولا ندري من كتبها، فإن الأشباه أشباه أنس، والقلوبَ والحروفَ في جثمان الشياطين، قال H: "وَسَيَقُومُ فيهم رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إنْسٍ"([5]).
فنحن في زمنٍ قد كثرت فيه الأصوات واختلطت فيه الحقائق، فكونوا على حذر، فإن العاقل -في هذه الأيام- الذي يمشي رويدًا، ولا تستخفنه الأقاويل ولو زُخرفت ببهارج الأصباغ، وتزويق العبارات، ونحن لا نستطيع الجزم أن شياطين سليمان المسجونةَ في البحر لم تخرج حتى الآن، فلعلها خرجت، وعملت بين الناس الأفاعيل، وإنه لا يدحرهم شيءٌ كمثل القرآن، ولا ينفعك ويُحرِّزُك عنهم كمثل التغني بالكتاب والفرقان، آناء الليل وأطراف النهار، فاقرأ آية، وانشر حزبًا، وشارك سورة، ولنملأ هذه السماء الفسيحة بتعطيرها بالذكر الحكيم، (وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ (7) لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ (8) دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ) الصافات: ٧ - ٩
اللهم احفظ علينا ديننا، ونجّنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولا تجعلنا ضحية لشياطين الإنس والجن، ولا لمن يتلو القرآن ليضلّ به.
8 19 / 3 / 1447
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه أحمد في مسنده، برقم: (134).
([2]) في مقدمة الصحيح (1/9).
([3]) انظر: المفهم بشرح مسلم (1/121).
([4]) في مقدمة الصحيح (1/9).
([5]) رواه مسلم، وأصله في البخاري.