بسم الله الرحمن الرحيم
الذكاء الاصطناعي
بين المطرقة والسندان
5 / 2 / 1447هـ
الحمد لله المتفرد بالجلال، المتفضل على خلقه بجزيل النوال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى صحبه والآل، والتابعين بإحسان إلى يوم المآل. أما بعد:
الحمد لله القائل: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) العلق: ٥ "فالله هو الخالِق المُعلِّم، وكلُّ شَيْء في الخارِج فبخلقه وُجِد، وكلُّ علمٍ في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطٍّ في البنان فبإِقْدَارِه وخلقه وتعليمه" ([1]).
تاريخ علم الاصطناع.
عباد الله. إن من العلوم الحديثة، والتي هجمت بقوة بتقنيتها، وانتشرت بسرعة بتطّورها، علمٌ لها حدان، حدٌّ مملوء بالمنافع لخدمة الإنسان في شتى المناحي المختلفة، وحدٌّ له مضارٌّ تعود على بني آدم بالمخاطر والمعاطِب، إنه علم الذكاء الاصطناعي، أو علم اصطناع الذكاء.
وُجد الذكاء الاصطناعي في خمسينيات القرن الماضي، وتطور وتنامى بشكل ملحوظ، ابتداءً من إنشاء علم البرمجة، وحتى صناعة سياراتٍ بقيادة ذاتية، والمقصود بعلم الذكاء الاصطناعي هو: استخدام تقنيةٍ تحاكي فعل الإنسان، وتجاري تصرفاته وردود أفعاله ([2]).
حدَّان للذكاء الاصطناعي.
وهذا العلم يحقق الجودة العالية في شتى العوامل والمعامل، مع قلة التكاليف، والقضاء على هدر الإنفاق، مع مراعاة عامل الوقت في الإنجاز، لكنه على الضفاف الأخرى، يورث الكسل لبني الإنسان، ويجعله متكئًا بالكلية على هذه الصناعة الحديثة، ويُغطي العقل بالخمول والجمود، ويقلل من التوظيف الآدمي، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي تكاد تسيطر على جِلِّ تواصلات البشر، وتمسك بغالب تصرفاتهم المالية والشرائية، ناشرة لكثير من العلوم الدينية والفكرة والثقافية، انظر إلى الخلل الواقع في المطارات العالمية الذي وقع قبل أشهر منصرمة، وكيف تعطلت مصالح الناس، وتضاعفت الخسائر والممتلكات، وطلبت بعض هيئات الطيران الدولية من كل الرحلات الجوية الهبوط بسبب خلل تقني بالحواسيب، مع انقطاع لبعض البثوث التلفازية ولإذاعية، وأصيب العالم بشلل في الحركة والانتقال، مما يُحتِّم على الإنسان البشري أن يكون واعيًا متيقظًا عارفًا للحقيقة من الزيف، مفرقًا بين اليقين والريب، محافظًا على ضرورياته الخمس: الدينِ، والنفس، والعرضِ، والعقلِ، والمالِ.
أيهما أذكى الإنسان أم صنع الإنسان؟
ولا شك أن الإنسان كان سببًا في تطوير الآلة الصناعة الحديثة، ولا يمكن لهذه الآلة أن تكون أشدَّ ذكاء من الإنسان؛ لأن الله بين ضعف الإنسان فقال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) النساء: ٢٨، فإذا كان الأصل واهيًا، فلا غروَ أن يكون الفرع أوهى وأشدَّ ضعفًا، وما قصة الروسي ببعيد، بطلِ العالم في الشطرنج، والذي هزم برنامج الحاسوب الخاص بشركة (IBM) للعبة الشطرنج، وثم انظر إلى الإنسان الآلي (الروبوت)، وكيف هو من كومة حديد، ويبوسة أعضاء، مع تنامي الخلل بسرعة إلى أجزائه، وعجزه عن إصلاح نفسه، وخلوه عن المشاعر والأحاسيس.
كل اختراعات البشر نزر يسير من علم الله.
ومن ناحية أخرى فإن التطور الهائل في حياة الإنسان ليُظهر لنا عجز الإنسان، مهما بلغ علمُه، وتنامت معرفته، فهو لن يستطيع أن يجاري خلق الله، ولا أن يضاهي بديع صنع الله، الذي أتقن كل شيئًا روعة وبهاء، فكل شيء بالغ التقنية، عظيم التطور فهو من الله أُسًا وأَساسًا (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) الأنعام: ٥٩ فالله وسع كلَّ الوجود علمًا ووسع كل الأشياء خبرة ودراية، فأين خلق الإنسان الذي قال الله عنه: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين: ٤ من مخترعات الإنسان.
قارن كل مخترعات الإنسان بهذه السموات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من النجوم المتلألئة، والكواكب المضيئة، والتي هي أشد من خلق الإنسان نفسه (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) غافر: ٥٧ وتأمل ما ذرأ في الأرض من أنواع الحيوان والنبات بمُختلف الألوان والأذواق، مع كون طبيعة التربة والماء واحدة في أصلها؛ ما يُستدل بذلك على وحدانية الخالق، ويظهر قوةَ قُدرةِ البارئ، وأنه لا ربَّ سواه، ولا معبود غيرُه، وأن الإنسان مهما وصل من العلوم والفهوم فإنما هو قطرة في علم بحر الله العظيم، قال ﷺ : "وَقَعَ عُصْفُورٌ علَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ في البَحْرِ، فَقالَ الخَضِرُ لِمُوسَى: ما عِلْمُكَ وعِلْمِي وعِلْمُ الخَلَائِقِ في عِلْمِ اللَّهِ إلَّا مِقْدَارُ ما غَمَسَ هذا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ"([3]).
فاللهم احفظ علينا ديننا وعرضنا ومالنا، واكفنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وخيانة الخوانين، ولا تجعلنا لهم نصيرًا وظهيرًا، ولا مؤيدًا ومعينًا، أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية. الحمد لله...
أما بعد:
تجاوزات تقنية في الكنيسة البروتستاتنية!
بنبغي على المسلم الحصيف -كما قد علم محاسن الذكاء الاصطناعي- أن يعلم مثالبَه، وآثاره السلبية على الأفراد والمجتمعات، وأن يكون مُتجنبًا للسقطات والعثرات، طاردًا لما انجرَّ فيه كثيرٌ من الناس حتى وقعوا في مصيدة التقنية الزائفة بحدِّها الضار لا النافع، فإن الوسائل الرقمية الحديثة قد اعتدت على العقول بشكل مباشر، بملايين الرسائل الالكترونية، والتغريدات المُحرِّضة، والمقاطع المُشتتة، حتى تخدَّرت العقول، وسُلب منها التفكير والنماء، وغدت الأرواح في معزل عن المشاركة الاجتماعية الحقيقية، التي تلتقي فيها العقول بأرواحها وأجسادها، بل إن هنالك مخاوف مِن أن يغلو بعض الناس في الذكاء الاصطناعي المتمثل بالروبوت الآلي حتى يجعله آلهةً من دون الله، فيجعل للآلة من التقديس والتعظيم كما لله وأعظم، وقد طورت بعض الكنائس البروتستاتنية روبوتًا صورته كصورة الإنسان، ويتكلم بخمس لغات، ومعلوم أن هذا من التصوير المضاهي لخلق الله، والنبي ﷺ :" أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله"([4])، ولا شك أن من أعظم طرق الشرك ووسائله صناعة الصور التي يضاهى بها خلق الله.
تقليد علم الاصطناع للأحياء والأموات!
وإن مما جرى عليه التطوير في اصطناع الذكاء قدرتُه العجيبة على تقليد أصوات الأحياء والأموات، إذْ يستطيع الذكاء الاصطناعي المحاكة الصوتية والصورية بمجرد الضغط على الأيقونات والأزرار، ومعلوم ما في ذلك من فتح باب التزوير والغش والكذب، مما يحتم على الإنسان عدمُ العجلة في تصدير الأحكام، والحكم على الذوات، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات: ٦، فأصبح العلم والعمل بهذه الآية أشدَّ ضرورة، وأعظم إلحاحًا من ذي قبل، خصوصًا إذا صُدِّرت الفتاوى الشرعية، وأطلقت الأحكام القضائية من خلال بعض هذه البرامج المُضللة.
وهنا كان لزامًا علينا كأفراد، وعلى الأمة كقادةٍ وعلماء وضع الضوابط الشرعية، والآداب المرعية في التعامل مع كلِّ حديث وجديد، ومعرفةِ الأخطار المُحدقة، والآثار السلبية على الناشئة بالخصوص، وأن يحسنوا توجيه اصطناع الذكاء لما فيه الفهم والمعرفة، وتغذية الدين والثقافة والفكر، ومعرفة حدوده المشينة والسليمة، الطالحة والصالحة، فقد غدا الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية وعالمنا الصغير.
فاللهم آتنا حذرنا، واهد ضالنا، وارزقنا شكر نعمك، والعيش في رغد فضلك، واحفظنا بالإيمان....
5 / 2 / 1446
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1/185).
([2]) انظر: الذكاء الاصطناعي وآثاره بين الإفناء والإنماء، المجلة القانونية.
([3]) رواه البخاري.
([4]) متفق عليه.