مكتبـــــة الخطب

2026-01-04 10:19:10

الشمس قضية جدل

بسم الله الرحمن الرحيم

الشمس والحجة الإبراهيمية الدامغة

7/ 3 / 1445

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:

إن أكثر شركِ العالمِ إنما هو مستند إلى عبادة الكواكب والقبور، وقد ذكر الله عبّاد الكواكب وسماهم بالصابئة، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ ) البقرة: ٦٢، و عباد الكواكب متواجدون إلى اليوم في أطراف من العراق وإيران، مع أن فيهم من له مناصبُ أكاديمية ودرجاتٌ علمية، لكن (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا) الكهف: ١٧.

 والصابئة يعظمون الشمس، ويجعلونها هي الآلهة المدبرة، وإنما الشمس خلق من خلق الله، تجري بإذن الله وتسبح له، قال رسول الله : "أتدري أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ إنها تنتهي فتسجد تحت العرش". رواه الشيخان   

ولطالما كانت الشمس من أظهر الدلائل على وجود الخالق، ومن أقوى الحجج على استحقاقِه بالعبادة، ذلكم الجرمُ المضيء، والسراجُ المنير، والذي يراه كلُّ سكان الأرض، إذْ كانت الشمس محورَ إسقاطِ حُجّة المُبطل، ودمغَ الملحد، وهنا نعرض لأشهر مناظرات التاريخ، والتي استدل الموقنون بالشمس على عُباَّدها، وكانت هذه المناظرات هي ما وقعت بين إبراهيم الخليل، والوثنيةِ من عباد الكواكب.

إبراهيم والنمرود.

 فالنمرود أحد القلائل الذين ملكوا كلَّ الأرض، وقد ملك الدنيا كما ذكر المفسرون أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان، والكافران: النمرود وبختنصر([1])، قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ)، فادّعى لنفسه الربوبية لمّا رأى أنه ملك جميع الأرض، فلذا قال الله: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أي: أنه ادعى الربوبية فقط لأنه ملك الأرض.

(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) البقرة: ٢٥٨، فالنمرود زعم أنه رب، فقال له إبراهيم: "الرب يحيي ويميت" بدأ إبراهيم بهذه الحجة؛ لأن الخلق كلَّهم يعلمون بالاضطرار أنه لا أحد يستطيع إحياء الميت، أو إيجاده من العدم، لكن النمرود جاء بمغالطة تنمُّ عن تكبر وغرور، بفعل سخيف مقفور: (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، "فزعم أنه يقتل شخصًا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصًا فيكون قد أحياه"([2])، وهناك فرق بين الإماتة والقتل، فالإماتة لا يقدر عليها إلا واهب الحياة سبحانه، وهي واقعة على الإنسان بمجرد أمر الله.

ولما قال النمرود :(أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت) لم يقل إبراهيم: أأنت تحيي وتميت! ولم يكثر معه الجدل في هذه السفسطة، وإنما نقله من أمر غيبي وهو إماتة الروح، إلى أمر مشهود، وهو كوكب الشمس: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ )، أي: إن كنت تزعم الإحياء والإماتة، فالقادر على ذلك هو قادر على التصرف في الوجود، فإن كنت إلهًا تحيي وتميت فأت بالشمس من المغرب.  هنا لم يَعُد للنمرود صوت، ولم يكن له مراوغة وتلبيس وفوت (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

وهنا يستفيد المرء عند الحوار والمجادلة أن ينقل خصمة من قضية له فيها تشغيب وشبهات، إلى قضية واضحة لا جدال فيها، فلما قال النمرود: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، لوشاء إبراهيم لقال: هات النفس من العدم، وأنشئ كائنًا يتكلم ويسمع ويبصر من اللاوجود، لكن إبراهيم غلَّب جانب الحكمة، وانتقل به من التشغيب إلى الحق المبين الذي لا جدال فيه ولا مراوغة، بل واستدل بالشمس التي يعبدها النمرود ويألهها، فكأن إبراهيم بضرب المثل له بالشمس أسقط ادعاء النمرود بالربوبية وأسقط ادعائه الآخر بأن الشمس مستحقة للعبادة، وهذا من ذكاء إبراهيم في المجادلة، وفطنته في المحاورة.

وروى عبد الرزاق عن زيد بن أسلم: أن الله عاقب النمرود ببعوضه، دخلت في منخريه فعذبه الله بها، فكان يُضرَب على رأسه بالمرازب حتى هلك([3]).

إبراهيم وقومه عباد الكواكب.

        إن النظر في ملكوت الله من أعظم أسباب الإيمان الراسخ، واليقين الشامخ، وملكوت الله: هو سلطانه العظيم، وملكه الجليل، فالتأمل في هذا الملكوت من أقوى أسباب تقوية الحجة على الخصوم، وزيادةِ العلم بألوهية الله.

وعودًا على النبي إبراهيم والذي اُبتلي بمناظرة الملاحدة وعباد الكواكب قال الله عنه: ( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) الأنعام: ٧٥، فهيأ الله قلب إبراهيم للمناظرة بقوة النظر في الملكوت، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والكواكب فأراد إبراهيم أن ينبههم بالكواكب على عبادة الله.

(لَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي). وقوله: (هَٰذَا رَبِّي) من باب التنزل مع الخصم، وإظهار الإنصاف، وأنه غير متعصب في مذهبه، بل متدرج في بيان الحق، وكأنه يقول: فهلم ننظر، هل يستحق الربوبية؟ (فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ) ، وتأمل أنه قال لا (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)، ولم يصرح بضلالهم استعطافًا لهم، فقال: لا أحب عبادة من كان آفلاً، فإن الأفول دناءة تنافي الإلهية، فالذي يَمضي وقتٌ كثير وهو غائب، فمن أين يستحق العبادة؟! (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) وهنا صرح بالضلال، وهو أقوى من الحالة الأولى التي قال فيها: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) وهذا تردج في الدعوة، وحسن في الخطاب، فلم يصرح بضلال معتقدهم إلا بعد أن أقام الحجة عليهم في الكوكب الأول، ولو صرح بالضلال أولاً فلعلهم ينفرون منه ولا يصغون إلى بقية استدلالاته (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ) أكبر الكواكب جرما، وأعظمها قوة، فهو أولى بالإلهية. وفيه تأكيد لما رامه عليه الصلاة والسلام من إظهار الإنصاف، عندما قال: (هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ) مع إشارة خفية إلى فساد دينهم من جهة أخرى, (فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) وهنا يقع التدرج الثالث في الدعوة وهو الأقوى وهو التصريح بالبراءة منهم، والتقريع بأنهم على شرك حين أتمّ قيام الحجة عليهم.

وهكذا الموقن اللبيب يجعل من آيات الله العظيمة مرتكزا من مرتكزات زيادة الإيمان وإفحام الخصوم...

فاللهم اجعلنا من أولي الألباب المتأملين في آياتك، والناصحين لخلقك، وانفعنا بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآي الحكيم....

الخطبة الثانية: الحمد لله...

        إن الشمس مع الأنبياء والصالحين لها قصص وأخبار وغرائب ومعجزات لا يتسع اختزال المقام لذكرها، فقد توارت الشمس بالحجاب مع قصة سليمان فكانت سببًا لتوبته، وتزاورت الشمس عن أصحاب الكهف ذات اليمن وهي تقرضهم ذات الشمال فحفظت أجسادهم مع طول المقام واكتراس السنين، ووصل ذو القرنين إلى آخر مكان من الدنيا تطلع منه الشمس، وآخر مكان تغيب فيه فمكن له في الأرض تمكينًا عظيمًا، وأوقف الله الشمس لنبي من الأنبياء ساعة قبل الغروب فكانت سببًا لنصرته وتأييده...، فحق لشمس هذه أخبارها أن يتأمل الإنسان فيها، ويجعلها سبيلا للوصول إلى تعظيم الله وتوحيده، وإفراده بالعبادة دون ما سواه.

        ولا مانع أن يستفيد الخلق من الشمس في أمور دنياهم، كما أفادوا منها في أمور أخراهم،                                                                                                                في جزيرة العرب يتمتع أهلها بطاقة شمسية هائلة، تمناها أهل الشرق والغرب، فتتمتع المملكة العربية السعودية بمقومات قوية في مجال الطاقة الشمسية لموقعها في نطاق (الحزام الشمسي العالمي) وقد عملت المملكة على تطوير قطاع إنتاج الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة استخدامها في جميع القطاعات، وهذه من النعم الكثيرة التي تنعم بها هذه البلاد، برخائها وأمنها واستقرارها، فحمدًا لله على فضله، وشكرًا له على مننه....

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) انظر: تفسير ابن كثير( 1/686)

([2]) تفسير السعدي: 111).

([3]) انظر: تفسير ابن كثير( 1/687)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة