مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:18:34

وجوب الحج، وجهود تاريخية في طعون موسمية

بسم الله الرحمن الرحيم

المبادرة للحج

جهود تاريخية، وطعون موسمية

12 / 11 / 1446

الحمد لله...

أرقى المدارس.

مدرسة هي أرقى المدارس في هذه البلاد، وطلابُها هم الأوائل، فأكثرهم ينالون درجات التفوق، وأعلى مراتب التقدير، وتمتاز هذه المدرسة بنبذ العنصرية أو المناطقية، فأعراقهم شتى، وجنسياتهم مختلفة، لكنهم على روح واحدة، فالحاضرون على مقاعدها ليس لهم طيف مُتَّحد، لكنّ قلبَهم واحد، بل ولباسَهم واحد، بل ومعلمَهم واحد، إنها مدرسة الحج، ومعلمهم فيها النبي .

لبيك ما سار الفُلك لك، لبيك ما ارتحل حاجٌّ بفَلَك، لبيك إن الحمد لك، لبيك ما ارتحلت المطايا لك، لبيك تتابعت السرايا لبيتك، لبيك لا شريك لك.

أيها الناس: إن ربكم اتخذ بيتًا فحُجُّوه، قال :"عجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له"([1]).

الحج مدرسة التوحيد.

يعلمنا الحج في فصوله وقاعاته أن الإله واحد حق، وأن الشرك باطل فج، عن ابن عباس: "كانَ المُشْرِكُونَ يقولونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ. فيَقولُ رَسولُ اللهِ : "وَيْلَكُمْ! قدْ قَدْ"، (أي: كفاكم هذا الكلام، ولا تزيدوا عليه). فيَقولونَ: إلَّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وَما مَلَكَ. يقولونَ هذا وَهُمْ يَطُوفُونَ بالبَيْتِ" ([2])، قال تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) الحج: ٢٦، فكيف بمن أحرم بالحج ولسانه لا يفتأ بقول: مدد يا رسول الله! مدد يا علي! مدد يا بدوي! ألم يسمعوا ما قال الله في سورة الحج: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)  الحج: ٣١، ففي الحج يُراق دم الشرك، وتسفح نداءات الموتى، ولا يبقى في ساحاته إلا راية واحدة، هي راية التوحيد الخالص.

الحج مدرسة لتعزيز الهوية.

في الحج يتعلم المسلم في حياته قيمةَ الهوية، وتعزيزَ القيم السماوية، والاعتزازَ بالدين، ومخالفةَ المشركين، هل تعلمون أن النبي إذا دفع ليلة العيد من مزدلفة إلى منى دفع قبل أن تطلع الشمس، كلُّ ذلك مخالفةً للمشركين، الذين كانوا لا يدفعون إلا بعد شروقها، ويقولون: "أشرق ثَبير كيما نَغير"، وثبير جبل كانوا يترقبون شروق الشمس من قممه، فإذا أشرقت الشمس عليه كالعمامة غاروا ودفعوا إلى منى.

وقد كان من قوانيين الجاهلية الظالمة أنهم يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فخالهم النبي ، واعتمر أربع مرات في حياته كلَّها في ذي القعدة.

الحج مدرسة للقدوة والاقتداء.

في الحج يتعلم المسلم في حياته الاقتداء بالنبي القائل: "لتأخذوا عني مناسككم"([3])، جاء عمر إلى الحجر الأسود فقبَّله، وقال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي يُقبلك ما قبَّلتك"، خشي عمر أن يظن البعضُ  أن استلام الحجر من باب التعظيم لهذه الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهلية، فأراد أن يعلم الناس أن استلامه اتباعٌ لرسول الله ، لا لأن الحجر ينفع ويضر بذاته([4]).

كتب عبدُ الملك بن مروان إلى الحَجَّاج بن يوسف حين جعله أميرًا للحج ألا يخالفَ ابنَ عمر في فقه الحج وأحكامه، فجاء ابن عمر يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سُرَادِق الحَجَّاج، فخرج وقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟  فقال ابن عمر: الرواح إن كنت تريد السُّنة؟ فقال الحجاج: هذه الساعة؟! فقال: نعم. فخرج الحجاج، فقال له سالم بن عمر: إن كنت تريد السنة فأقْصُرِ الخُطبةَ وعجِّلِ الوقوفَ، فجعل الحجاج ينظر إلى عبد الله بن عمر كأنه يستفهم رأيه فيما قاله ابنُه سالم، هل هو كذا أم لا؟ فلما رأى ذلك عبدُ الله قال: صدق ([5]).

الحج مدرسة للصمت وقلة الكلام.

في الحج يتعلم المسلم في حياته أن الصمت أصل، والكلامَ فرع، وأن الكلام إنما يكون للمصلحة والحاجة، أحرم أنس من ذات عرق فما سُمِع متكلمًا إلا بذكر الله، قفال لأحد معه: "يابن أخي. هكذا الإحرام"([6]) وكان شريح القاضي إذا أحرم كأنه حيةٌ صمَّاء([7])، وكان عبدُ الله بنُ عمر وعبدُ الله بنُ عباس رضي الله عنهم يطوفان بالبيت جميعًا، كأن على رؤوسهما الطير تخشُّعًا ([8])، فالصمت في كل زمن صيانة للنفس من الوقوع في الزلل، وهي في الحج آكد([9])، قال : "من صمت نجا"([10]).

فاتقوا الله أيها المؤمنون، وارجوا ثوابه، وأديموا شكر نعمه، وأكثروا من الاستغفار.

الخطبة الثانية: الحمد لله.

متربصون وناكفون!

وفي بداية كل موسم للحج، تظهر أصوات تُعكر صفو المؤمنين، وتُثبَط همة الحجاج والمعتمرين، بقولٍ لا ينفك عن إحدى طائلتين: إما الجهل، وإما الحقد والكراهية، فيُشغِّبون بمغالطات، ويُدْلُون بأكاذيبَ ظاهرات، ويتناقلها كلُّ مُتعجِّل أثيم.

مغالطات وتشويهات منها: أن بعض الناس لديهم ازدواجية في الطرح، فمن قال: إن السعودية تمنع الحج في أيام كورونا، هم من قال: إن السعودية تُكثِّر الأعداد هذه الأيام لأجل جني المال والاستكثار بغير حق.

ومن المغالطات والتشويهات: من قال: إن الحكومة السعودية تساهم في ارتفاع أسعار الحج لأجل مصالحها الذاتية، وهذه مغالطة أخرى، ومناكفة من صاحب هوى، فقد علم القاصي والداني أن السعودية تمنح تأشيرات تقدمها مجانًا للحج الأول دون أي مقابل، وأكثر المبالغ التي يدفعها الحاج إنما يدفعها لبلده: فحصص للحكومات، وحصص للشركات والمستثمرين، ثم الأسعار العالمية في ارتفاع مستمر في كل مكان: من فنادق، وتنقلات، ومطعومات، وبعض أسباب الارتفاع تكون داخلية من الدول الراغبة في الحج، وهذا يختلف من دولة إلى أخرى، فبعض الدول ارتفعت الأسعار لديها مئة بالمئة، وبعضها لم يتجاوز ارتفاعُها خمس عشرة بالمئة، وحتى يتضح لك الفرق الشاسع والبون الظاهر: كم تكلف العمرة لمن كان داخل المملكة، وكم تكلف لمن هو خارج المملكة.

ومن المغالطات والتشويهات: تلك المقالةُ الساذجة، والشنشنة السخيفة: أن السعودية تبني مشاريعها المستقبلية على مدخولات الحج والعمرة، فهذا لا يقوله من لديه مِسكة عقل من فهم، أو أدنى درجات الإبصار، فإن السعودية أنفقت في فاتورة واحدة: مئتي مليار للحرم، ومئةَ مليار لمسار مكة، ناهيك عن تكاليف التشغيل والصيانة، ومنها الإضاءات التي تقلب الليل إلى نهار في فاتورة شهرية ضخمة تكفي لإشعال مدينة كاملة، تبلغ أربعةَ ملايين دولار شهريًا، وثمانيةً وأربعين مليون دولار سنويًا([11])، فهل من المنطق أن مليون ونصف المليون حاج من الخارج سينعشون اقتصاد شبة جزيرة بحجم السعودية في أسبوعين أو شهر.

وفي ثقافة السياحة يتحمل السائح كلَّ شيء، أما في السعودية في الحج فهي تتحمل أخطر كلِّ شيء: العملياتِ المعقدة، والأدويةَ الباهظة، وإدارةَ الطوارئ والحشود، مع توظيفِ ربعِ مليون عامل ما بين موظفين صحيين، وعسكريين، ومن قطاع الاتصالات، والنقل، والإشراف، مع صرف التجهيزات، والانتدابات... .

وبعد ذلك يقال: إن ما تفعله السعودية أمرٌ لا تنتظر منه نوال أحد إلا من الكريم، ولا ترغب فيه ثناءً ولا شكورًا إلا من البر الرحيم، ومن كان كذلك فالله مولاه، فهي خادمة الحرمين، والخادم مطيع لمولاه، فاللهم احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين.

 

ختامًا... أكدت هيئة كبار العلماء، أن الالتزام باستخراج تصريح الحج والتزام قاصدي المشاعر المقدسة بذلك يتفق والمصلحة المطلوبة شرعًا، حيث جاءت الشريعة بتحسين المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، وأوضحت بأنه لا يجوز الذهاب إلى الحج دون أخذ تصريح، ويأثم فاعله، ومن لم يتمكن من استخراج التصريح فإنه في حكم عدم المستطيع.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 

 


([1]) أخرجه أحمد، وحسَّنه الألباني في إرواء الغليل (990).

([2]) رواه مسلم.

([3]) رواه مسلم.

([4]) فتح الباري، لابن حجر (3/463).

([5]) رواه البخاري، وسيق الأثر بمعناه.

([6]) البداية والنهاية، لابن كثير (9/107).

([7]) الطبقات الكبرى، لابن سعد (8/262).

([8]) أخبار مكة، للفاكهي (1/203).

([9]) الفرق بين الصمت والسكوت: أن الصمت إمساك عن قول الباطل دون الحق، أما السكوت فهو إمساك عن الكلام حقًا كان أو باطلًا.

([10]) رواه أحمد والترمذي، وهو في صحيح الترغيب.

([11]) وفق تقرير غردت به الإخبارية في منصة (X).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة