مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:10:16

قرية آمنة بين أمواج الذعر

بسم الله الرحمن الرحيم

"قرية آمنة بين أمواج الذعر"

46/ 3 / 1446هـ

الحمد لله ...أما بعد:

كانت الفوضى القبلية تسود مناطق الجاهلية في الجزيرة العربية، فكان السلب والنهب مباغتًا في وضح النهار، والهجمات المفاجئة جزءًا من ثقافة العقل العربي آنذاك، وكانت الحروب تقوم لأتفه الأسباب، وانعقادُ الثأر يثار لأحقر الأبواب، ومن بين تلك الاضطرابات العاتية، والحروب المنبعثة توجد قرية أحيطت بسياج الأمان، وندَّت بحالها عن عواصف الفتن، هذه القرية هي التي قال الله عنها: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ) النحل: ١١٢  إنها مكة، الداخل إليها مولود، والخارج منها مفقود، فبُعث النبي  مذكرًا هذه القرية بأن الله خصها بالأمن التام، والسكون الواسع، في ظل أمواج القلاقل وانعدام مقومات أسباب الحياة الأمينة، فكان الأجدر بها أن تعزل اللات والعزى، وتوحد الله الذي أمنُه يُؤلَفُ ويُرجى (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) قريش: ١ – ٤، فلم يكن جوابُ قريش إلا أعجبَ الجواب، ولم يكن ردُّهم إلا فاقدًا للصواب، فقالوا بكل اجتراء: (إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)، فجعلوا اتباع الرسول سببًا لزوال نعمة الأمن، وقضاءً يُقضي عليهم بتخطف الناس لهم، وانتهاك قريتهم، فردَّ الله عليهم فريتهم (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) القصص: ٥٧، ثم هددهم مبينًا عاقبة المتمتعين بنعم الله الجاحدين لفضله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) القصص: ٥٨

إن الأمن هو العنصر الأصيل الذي يُشيَّد به صرح المجتمعات، ويُمهد طريق الحضارات، إنه النورُ الذي يُبدد ظلمات الخوف، والدرعُ الذي يحمي الأوطان من الفتن والانقسام.

عباد الله. إن الإنسان لا يشعر بحقيقة الأمن إلا عندما يخاف ويشتد خوفُه، فكلما كان خوفُه أكثر كان شعوره بالأمن أعمق وأقوى، ومن عرف الشيء ثم فقده فإنه يعرف قيمته، ولكن الناس لطول إلفهم للأمن والأمان لا يكادون يعرفون قيمة هذه النعمة، فحري بنا في حديثنا ومجالسنا أن نتذاكر هذه الهبةَ المسلوبة، والتي هي حاضرةٌ بين أيديكم، ولكنها عند كثير مفقودة.

إنه متى ما فَقَدَت المدينةُ أمنها حل الذعر فيها لأبعد قعر، وتأمل ما قال الله  عن موسى:  (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) القصص: ١٨ ، فالمدينة عادة موطنٌ للأمن والطمأنينة، فإذا انقلبت المدينة إلى مكان خوف وقلق، فأي نعمة أمنٍّ نتكلم عنها، وإن حاجة الإنسان إلى أن يُدخَل الأمنُ في قلبه أشدُّ من حاجته إلى أن يُدخل الطعام والشراب في جوفه ولما دخل موسى عند صاحب البيت الآمن: (وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) القصص: ٢٥، فكانت أولُّ كلمة خرجت من الشيخ الوقور بعد أن سمع قصص موسى ( لَا تَخَفْ).

إن الأمن يُجسد تلك العناية الإلهية التي تُغدَق علينا بركاتُها إن تمسك الناس بدينهم، ورجعوا لبارئهم، وإنْ هُم تركوا تُرِّكوا وأُبعِدوا، فهما فريقان لا ثالث لهما: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام: ٨١ – ٨٢، فأعظم الأمن ما قام على ركيزتين:

 الأمن الديني، وهو أن يصطلح الإنسان مع ربه، وينزه توحيده، ويَحَذر الشرك صغيرَه وكبيرَه، حتى تتوثق علائقُه بخالقه، وأن يوقن أن الإيمان مفتاح الأمن، وأن إخلاص العبادة أيقونة السلام، وأن صمام الوقاية تلاوةُ العبد: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) إبراهيم: ٧.

 والركيزة الثانية: الأمن النفسي، وذلك بإحسانِ الظن بالديان، وجميلِ التوقع بالأقدار، ففي ذلك سكون الروح، وهدوء الخاطر، ومن أزعج نفسه بالقلق فقد أحاط نفسه بالاضطراب، ومن خاف من المرض فقد مرض، ومن توقع الفقر فقد افتقر، (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ)

إن الأمن لا يُختزل في مجرد غياب الخطر، بل هو حالة من التآلف والوئام بين أفراد المجتمع. فالمجتمعات التي تُعلي من قيم الاعتصام والتماسك تُصبح حصونًا منيعة أمام التحديات. يقول : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"([1]) فهنا يتجلى دور الفرد في تعزيز الأمن الاجتماعي، وتفعيل روح الأخوة والتصافي.

فاللهم احفظ علينا ديننا وعرضنا ومالنا، واكفنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وخيانة الخوانين، ولا تجعلنا لهم نصيرًا وظهيرًا، ولا مؤيدًا ومعينًا، أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية:

إن الحديث عن الأمن الشامل لا ينفك عن الأمن الفكري والثقافي، فهو من الأبعاد الجوهرية التي تحتاج إلى عناية خاصة. فالأفكار هي السلاح الأكثر تأثيرًا في عصرنا، والشباب هم ثورة البناء الحضاري. فغرس القيم النبوية، والمبادئ الشرعية في نفوسهم يهدم الأفكار المتطرفة التي تحرفهم عن المسار.

إن الأمن الحقيقي يحتاج إلى رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار جميع جوانب الحياة. فلنبدأ من بيوتنا، حيث نغرس قيم السلام والمحبة في قلوب أبنائنا. لنشجعهم على الحوار والتفاهم بدلاً من العنف والخلاف المكتسب من علاقات الأزواج، ولنعزز فيهم روح الانتماء والولاء.

ختامًا... فإن رءوس النعم أربعة: أولها نعمة الإسلام التي لا تتم النعم إلا بها، فاحمد الله على هذه النعمة العظيمة، والثانية: نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بوجودها، والثالثة: نعمة القناعة التي لا يتم العيش إلا باستشعارها، والرابعة والتي هي مقلة العين، وصفاء الأرواح: نعمة الأمن والأمان، فلا تطيب كل نعمة بفقدانها.

اللهم عافنا في أبداننا، أبداً ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واحفظ علينا أمننا وأماننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

        عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) أخرجه الترمذي وأبو داود.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة