مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:18:21

وألقيت عليك محبة مني

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي)

12 / 9 / 1445هـ

الحمد لله...أما بعد:

         إن الملوك يُجزلون في العطايا، ويُغدقون في الهبات، ويكثرون في الأجزيات، وإذا رضوا مدُّوا في الجوائز والفوائد، والكنوز والفرائد، هذا ما يعرفه الناس عن ملوك البشر، فكيف بملك الملوك؟ الذي إذا رضي كان عطاؤه البحر، ونواله غنى عن الفقر، "يدُه -سبحانه- ملْأَى لا يُغِيضُها نَفَقَةٌ، سحَّاءُ اللَّيْلَ والنهارَ، أرأيتم ما أنفَقَ منذُ خلَقَ السماواتِ والأرضِ؟ فإِنَّهُ لم يَغِضْ ما في يدِهِ وكان عرْشُهُ على الماءِ، وبيدِهِ الميزانُ، يخفِضُ ويرْفَعُ"([1])، وإن من أعظم عطاياه الجزيلة، و هباته الجليلة  أن يعطي عبدَه محبتَه، ويلقيَ عليه مودتَه، فيسعد سعادة لا شقاء بعدها ولا نكد، فمحبة الله للعبد "قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقُرَّة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده ففي بحار الظلمات"([2]). ووقوفنا اليوم مع آية عظيمة جلَّت لنا نوعًا من هذا العطاء الواسع، والفيض الغامر، قال الله عن نبيه الكليم موسى-عليه السلام- (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي).

ملاحة الوجه.

(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي)، فكان موسى مُحَبًّا لأول وهْلة، فمنذ نعومة أظفاره، وبدايةً من سريان النهر به يوم ألقته أمُّه في اليم وهو مريح المنظر، فيه حُسنٌ وملاحة، فأحبَّته آسيةُ امرأةُ فرعون حتى قالت لفرعون: ( قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) القصص: ٩، فتبنَّته، وغذَّته، وربَّيته، وأحبَّه فرعون في قصره، حتى كفَّ عنه عاديتَه وشرَّه، قال قتادة: "(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي) أي: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا أحبه"([3])، فكان في موسى مسحةُ جمال، زَرَع الله مودته في كل قلبِ من رآه، حتى لا يكاد يصبر عنه من رآه، وهكذا كان نبينا بل وأندى وأبهى، فعن أبي الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله فقال: "كان أبيضَ مليحَ الوجه"([4])، وكان إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر([5])، قال البراء: "كان رسول الله أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا".

أثر الطاعة على ملاحة الوجه.

إن جمال الظاهر نعمةٌ من الله، توجب على العبد الشكر والحمد، ويكون الشكر بتقوى الله وصيانة دينِه، فكلما شكر المليحُ ربَّه ازداد جمالًا على جماله، وإن استعمل جماله في معاصيه تعود تلك المحاسن على وجهه وحشْةً وقُبحًا، وينفِر عنه كلُّ من رآه، ويجعل الله الكُره في قلوب من شاهده، ويوم القيامة يقبح على الحقيقة (الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ) الزمر: ٦٠ ، قال ابن تيمية: "وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة يسري إلى الوجه، والقبح والشين الذي يكون عن الأعمال الفاسدة يسري إلى الوجه...، ...فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كَبِروا ازدادوا حسنًا وبهاءً، حتى يكونَ أحدهم في كِبَره أحسنَ وأجملَ منه في صغره، ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كَبِروا عظموا قُبحًا وشينًا "([6]).

ملاحة الخُلُق.

ويكمل العِقد، ويزدان اللؤلؤ إذا جمع الإنسان بين الحسنيين، جمالِ الظاهر وجمالِ الباطن، فجمال الباطن-والذي هو جمال القلب، ونقاء السريرة- هو بداية جمال الوجوه، فكلما كان القلب شجاعًا، والفؤاد حليمًا، والنفسُ صافيةً، مُحبةً للعطاء، بعيدةً عن الحسد والبغضاء كلما صفت صفحةُ النفس البشرية.

 يا عبدالله. إن جمال الباطن هو الأساس، وعليه الحساب والمآل، فجمال الأخلاق هو محل نظر الله لعبده، وموضعُ محبتِه، قال : "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ"([7])، فكم من رجل لم يكن ذا جمالِ الوجه، لكن أحبه الخلق-رغم أنوفهم- لجمال باطنه، وكريم خصاله، وندى أخلاقه، فصاحب الأخلاق العالية لا تزال النفوس تُعظِّمه، والأرواح تُجلّه، ولا تنفك عن محبته.

 من أحبه الله أحبه الخلق.        

        وكل من كان كذلك فهنيئًا له قولُه تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي)، فإنَّ من زانت أخلاقه ألقى الله محبته في قلوب خلقه، ومن أحبه الله فقد أحبه الخلق، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) مريم: ٩٦، أتدري ما (سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) ؟ أي سيجل لهم الرحمن حبًا، قال هَرِم بن حَيَّان: "ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم"، قال : "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ. فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ. ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ. وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ. فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ"([8])

اللهم كما حسنت خلْقنا فحسن أخلاقنا، وزينا بزينة الحلم، وجملنا بجمال الصبر، والطف بحالنا فأنت الأعلم بحالنا من أنفسنا، أقول ما تسمعون....

الخطبة الثانية:

علامات ألقاء الله محبته على خلقه.

        ياعبدالله. وأنت تقرأ هذه الآية (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي) طه: ٣٩، لا بد أن تتساءل: هل ألقى الله محبته عليّ؟ وهل حبب الناس إلي؟ لا شك أن هنالك علامات تدل على أن الله أحبك ونادى أهل الأرض لمحبتك منها: أن يستعملك للعبادة ونوافل الطاعات، ويشغلك بها عن الناس والحديث عنهم وعن سوءاتهم، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه"([9])، أتدري ما النوافل؟ نوافل الصيام، والقيام، والصدقات، حتى البسمة، والكلمة الطيبة، والذلة للمؤمنين، والتناصح بين المسلمين، (النوافل) يا لها من كلمة جامعة!

        وإن من علامات إلقاء محبة الله عليك أن تسأل نفسك: هل أحببتُ الله حقيقة؟ أم أني أحبه كلامًا وأحلامًا؟ إن أردت أن تعرِفَ مقامَك عند الله، فانظر إلى مقام الله عندَك، تعرِف مقامك عندَ الله.

فاللهم كما حسنت خلقنا فحسن أخلاقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، اللهم وفق ولي أمرنا لكل ما تحبه وترضاه، اللهم واجعله ذخرًا للإسلام والمسلمين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) رواه البخاري.

([2]) مدارج السالكين، لابن القيم.

([3]) تفسير البغوي (3/261).

([4]) رواه مسلم.

([5]) رواه البخاري.

([6]) الاستقامة (1/364-366) بتصرف يسبر.

([7]) رواه مسلم.

([8]) متفق عليه.

([9]) رواه البخاري.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة