مكتبـــــة الخطب

2026-01-13 08:00:21

يأجوج ومأجوج

بسم الله الرحمن الرحيم

حوادث آخر الزمان (2)

اندحار اليهود وخروج يأجوج ومأجوج وقيام الساعة([1])

الحمد لله.

اندحار اليهود

في آخر الزمان، وإذا قتل عيسى ابنُ مريم الدجال يهزم الله اليهود، ويُسَلَّط عليهم المسلمون ويقتلونهم، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا قال يا عبد الله المسلم هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله، إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق.

دعوة إلى الأخذ بأسباب النصر والتمكين.

وليس معنى كون ذلك في آخر الزمان أن ينقطع رجاءُ المسلمين من تغلبهم على يهود، وأن يعتقد المسلم أنه لا خلاص من تسلط اليهود إلا بنزول عيسى، فإن هذا اعتقادُ البائس الفقير، لأن الله أمر بإعداد العدة أمرًا يشمل كل زمان ومكان: ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) الأنفال: ٦٠، وقال تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آل عمران: ١٣٩، فمتى رجع المسلمون إلى دينهم رجوع حق، جاءهم النصر المبين، ومتى ركنوا إلى شهواتهم وسكراتهم، ودبَّ الخلاف في صفوفهم فبينَهم وبين النصر خرطُ القتاد، فلا قيامة للنصر إلى بقيامة الدين (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ) محمد: ٧. "ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله، مكّن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم"([2]).

وقد أخبرنا الله في كتابه أنه سلط على يهود من شرَّدهم ومزَّق ملكهم قبل الإسلام قال تعالى مخاطبًا يهود: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا) الإسراء: ٤ – ٥، فسلط الله على يهود من قتلهم وسباهم وهتك دورهم، ثم أخبرنا الله أنه أرجع إلى يهود ملكهم فقال مخاطبًا يهود: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) الإسراء: ٦، ثم أخبر عنهم أنهم متى كثرت فيهم المعاصي وتركوا الشريعة، وطغوا في الأرض، فإن الله سيسلط عليهم من يشرذمهم كما قال في سياق الآيات السابقة مخاطبًا يهود: (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ) الإسراء: ٨، وقد صدق الله وعدَه، فسلط الله عليهم المسلمين في صدر الإسلام، فأخرجوهم من الجزيرة العربية كلِّها، ثم عادوا إلى الإفساد، فسلط عليهم هتلر، ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد، وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب.

حكم عيسى في الأرض.

فإذا قتل عيسى الدجال، يلبث الناس بعده سنين سبعًا، فيكون عيسى بن مريم في هذه الأمة مصدقًا بمحمد ، حَكَمًا عدلًا، وإمامًا مهديًا، فيقاتلُ الناسَ على الإسلام، فيدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، وتُرفع الشحناءُ والتباغض والتحاسد، ويكثر المال في الناس، حتى لا يقبل الصدقةَ أحد، حتى تكونَ السجدةُ الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها، يعني أن الناس يزهدون في المال الذين بين أيديهم على كثرته لِمَا رأوا من قرب الساعة بعد قتل الدجال ونزول عيسى، فتكون صلاة أحدهم خيرًا له من الدنيا وما عليها.

وفي زمن عيسى تنقطع الأحزاب والجماعات، وتكون الدعوة واحدة لرب السماوات، ويتوجه عيسى إلى مكة، قال: "والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليثنينهما"([3]).

خروج يأجوج ومأجوج.

فبينما هو كذلك إذا أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يَدَانِ (ولا قُدرةَ ولا طاقةَ) لأحد بقتالهم فحرِّز (واجمع) عبادي إلى الطور(جبلِ سيناء)، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية في الشام، فيشربون ما فيها، ويمر آخرُهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء.

ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر([4])، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابَّهم مخضوبة دمًا.

نهاية يأجوج ومأجوج وحال الناس بعدهم.

ويُحصرُ نبيُّ الله عيسى وأصحابُه حتى تبلغ الفاقةُ بأحدهم أن يكون رأسُ الثور خيرًا من المال الكثير لأحدِكم اليوم، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابُه إلى الله متضرعين، فيرسل الله على يأجوج ومأجوج النَّغَفَ في رقابهم (الدود) فيصبحون فرسى (وموتى) كموت نفس واحدة، فيموتون دفعة واحدة.

ثم ينزل نبي الله عيسى وأصحابُه من الطور إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمُهم ونتنُهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابُه إلى الله، ليخلصهم من هذا البلاء، فيرسل طيرًا طويلةَ الأعناق، كأعناق البُخْت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله.

ثم يرسل الله مطرًا لَا يَكُنُّ منه بيتُ مدر ولا وبر، فيغسل الأرضَ حتى يتركها كالزَّلَفَة، وهي المِرْآةُ، والمرادُ: أنَّ الماءَ يَعُمُّ جميعَ الأرضِ بحيث يَرى الرائي وجهَه فيها، وتكون الأرض كالفضة، وتُنْبِتُ نباتَها بعهد آدم، أي: يَعودُ الثَّمَرُ والنَّباتُ مِثلَ ما كان عليه من عَهدِ آدَمَ من الكَثْرةِ والكِبَرِ والبَرَكةِ، يقال للأرض: أنبتي ثمرتَك وردي بركتَك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بِقِحْفِها، أي: بقِشْرِها، ويبارَك في الرِّسْل واللبن، حتى أن اللِّقْحَةَ من الإبل لتكفي الفئام من الناس، ويكون الثور والفرس بالدريهمات، يقول :" طُوبَى لعيشٍ بعْدَ المسيحِ...حتى لو بذرْتَ حَبَّكَ على الصفَا لنَبَتَ. وحتَّى يَمُرَّ الرجلُ على الأسَدِ فلا يضرُّهُ، ويطَأَ على الحيَّةِ فلا تضرُّهُ. ولا تَشَاحَّ، ولا تحاسُدَ، ولا تباغُضَ"([5]).

وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل والذئاب مع الغنم.

وتُنزَعُ حُمةُ كُلِّ ذاتِ حُمةٍ، أي: يُنْزَع السم من كل حيوان فيه سم، فيلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره.

وتكون الكلمة واحدة فلا يُعْبَدُ إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتُسْلَب قريشٌ ملكُها، أي: يكون الملك بيد ابن مريم.

فاللهم اهدنا وسددنا، وارزقنا إيمانًا لا يرتد.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

وفاة عيسى، وحال الناس بعده.

فيمكث عيسى في الأرض سبع سنين، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون.

فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا باردة من قبل الشام، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكلَّ مسلم، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه، ويبقى شرارُ الناس، في خِفَّة الطير وأحلام السباع، معناه: يَكُونونَ في سُرْعَتهمْ إلى الشُّرُور وَقَضَاء الشَّهَوَات وَالفساد: كَطَيَرَانِ الطَّيْر، وفي العُدْوَان وَظُلم بَعضهم بَعضًا: في أخلَاق السِّباع العادِيَة، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، قال:"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ"([6])، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارُّةٌ أرزاقُهم حسنٌ عيشُهم، يتهارجون تهارج الحُمُر فعليهم تقوم الساعة.

 

 

قيام الساعة.

فيُنْفَخُ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى لَيْتًا ورفع لَيْتًا، فيُميل صَفْحةَ عُنُقِه خوفًا ودَهشَةً، وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل الضعيف القطر، فتَنْبُت منه أجسادُ الناس ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) الزمر: ٦٨ ثم يقال: يا أيها الناس هلم إلى ربكم (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) الصافات: ٢٤ ثم يقال: أخرجوا بعث النار، وميزوا أهل الجنة. فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعَمائة وتسعةً وتسعين. فيدخل في النار من بني آدم تسعُمائة وتسعةٌ وتسعون من كل ألف، وواحد فقط هو الذي يدخل الجنة. فذاك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق.

        

فاللهم زدنا يقينًا بشرعك، وإيمانًا بكتابك

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد   

 

 


(1) غالب ما ذكر هنا من أخبار جاءت عنه وهي في الصحيحين وغيرِهما، وقد ساق أكثرها الألبانيُّ في كتابه: قصة المسيح الدجال.

(1) تفسير السعدي، سورة الإسراء (ص:454)

(1) رواه مسلم.

(2) سمي بذلك لكثرة كرومه.

(1) رواه الديلمي. قال عنه ابن كثير في (التفسير 1/582): هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر.

(1) رواه مسلم.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة