بسم الله الرحمن الرحيم
(أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)
30 / 6 / 1442هـ
شريعة شاملة، ومصالح قائمة.
إنها خلق عجيب، وتركيب غريب، في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ)
عن لحسن البصري رحمه الله، أنه سئل عنها وقالوا: الفيل أعظم في الأعجوبة. فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل. ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب درهَ
كان شريح يقول: "اذهبوا بنا إلى الصحراء؛ حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت".
والإبل فيها جَمال كما وصف القرآن، (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)النحل: ٦ الرواح هو آخر النهار، والمسرح هو أول النهار؛ ولأنها إذا راحت توفر حسنها وعظم شأنها وتعلقت القلوب بها، لأنها إذ ذاك أعظم ما تكون أسنمة وضروعا، قاله قتادة . ولهذا المعنى قدم الرواح على السراح لتكامل درها وسرور النفس
وجاء ذكر الإبل في القرآن على أنها معجزة لقوم صالح، (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) الشمس: ١٣ يعني: احذروا أن تعقروا الناقة وأن تقابلوا شرب حليبها بعقرها، وأن تعتدوا على يوم شربها من البئر.
وجاء ذكر الإبل في القرآن في النهي عن التكبر من البشر على غيرهم: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) لقمان: ١٨ ، وأصل (الصعر) داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها ، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس.
وجاء ذكر الإبل في القرآن على أنها علامة وصفة للشرارة التي تنطلق من النار: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ( المرسلات: ٣٢ - ٣٣ أي يتطاير الشرر من لهبها كالقصر، قال ابن مسعود: كالحصون يعني كأن الشرر جمالة سوداء تميل إلى الصفرة. لأن الله شبه الشرارة أولاً حين تنفصل عن النار بالقصر في العِظم، وثانياً حين تأخذ في الارتفاع والانبساط، فتنشق عن أعداد لا نهاية لها بالجمالات في التفرق واللون والعظم والثقل
وجاء ذكر الإبل في القرآن على أنها تضيّع ولا يلتفت إليها إذا جاءت علامات يوم القيامة: (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) التكوير: ٤ وناقة عشراء: التي حملت ولها أربعة أشهر، ويستمر هذا الوصف بها إلى أن تلد.
وجاء ذكر الإبل في القرآن في أن أهل النار يشربون من الحميم شربًا عظيمًا كشرب الناقة إذا أصابها داء الهيام فتشرب من الماء فلا ترتوي حتى تهلك: (فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) الواقعة: ٥٤ - ٥٥
وجاء ذكرها في السنة أنه لا تصح الصلاة في معاطنها، والمعطن هو المكان الذي تبقى فيه عند ورودها الماء، وعلة النهي في الإبل دون غيرها من الأنعام كونها تعمل عمل الشياطين، فهي كثيرة النفار والشرود فلا يأمن المصلي من أن تشوش عليه صلاته.
والأصل في ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا.
وجاء ذكر الإبل في السنة في أنه يحرم التقاطها إذا ظلت في الصحراء، كما جاء في الصحيحين أنه ﷺ قال: "مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر".
وجاء ذكر الإبل في السنة في أن صاحبها إذا لم يتعاهدها نفرت وهربت وشردت منه، قال ﷺ كما في الصحيحين: "إنما صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهدها أمسكها، وان أطلقها ذهبت"، وجاء عند الحاكم: "كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله كشراد البعير على أهله".
وجاء ذكر الإبل في السنة أنه يصلى عليها السنن حتى الوتر، كما ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: "كان يوتر على بعيره".
وجاء ذكر الإبل في السنة في النهي عن تحصين الإبل في قلادات كما تفعله العرب في جاهليتهم، ففي الصحيحين من حديث أبي بشير: "ألا لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت".
وجاء ذكر الإبل في السنة على أنها، كما جاء في السنن، "خلقت من الشياطين"، ليس معنى ذلك أن مادتها من الشيطنة، لا! إنما لما غلب عليها وصف الغلظة والشدة والشيطنة وصفت بذلك، كحالنا نحن، خلقنا من تراب، ومع ذلك قال: (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) الأنبياء: ٣٧ لِمَ؟ لأن الوصف الأعظم فينا هو العجلة.
وجاء في المسند والسنن، النهي عن "أن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير"، بمعنى أنه ينهى أن يعرف الإنسان بأن هذا المكان مكانه في المسجد، لا يفارقه لا في صلاة ولا في قراءة قرآن ولا في ذكر، هذا منهيٌّ عنه.
وجاء ذكر الإبل في السنة أنك إذا سجدت لا تسجد كما يبرك البعير، كما جاء في حديث أبي هريرة في سنن أبي داود والنسائي: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير".
وفي ذكر الإبل في السنة أن الإبل التي تكون في الصحراء أنفع لصاحب مرض البطن لكي يشرب من حليبها ومن أبوالها، ولكي يتنفس عندها من الهواء الطلق"، كما جاء في قصة العرنيين الذين أصابهم داء في بطونهم كما في الصحيحين، "فأمرهم النبي -صلي الله عليه وآله وسلم- أن يذهبوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، فلما شربوا استصحوا".
وعند العرب من الإبل ما يسمي "البَحيرة"، وهي الناقة التي أنتجت خمسة أبطن، إن ولدت أنثى بحروا أذنها، يعني شقوا أذنها، فتركت، فلا يحمل عليها شيء، ولا يجزّ منها وبر، ولا يحلب منها حليب، وهناك ما يسمى عند العرب بــ "الحام"، وهو البعير إذا أخرج الله من صلبه عشرة قالوا: حمى ظهره، فلا يحمل ولا يركب: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) المائدة: ١٠٣ وعند العرب ما يسمى بــ "حمر النعم"، في الصحيحين، الإبل الحمراء التي هي أنفَس ما يكون عند العرب من الإبل.
وعند العرب ما يسمى بـ "الكوماء"، كما جاء ذكر ذلك في صحيح مسلم، كما قال -صلى عليه وسلم- للصحابة: "أيحب أحدكم أن يغدو إلى العقيق فيأتي بناقتين كوماوين ــ يعني عظيمتي السنام- من غير إثم ولا قطيعة رحم؟"، قالوا: كلنا ذلك يا رسول، قال: "لأن يذهب أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية أو آيتين خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل".
وعند العرب ما يسمى بـ "البُخت"، "رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة"، كما جاء عند مسلم في وصف النساء الكاسيات العاريات. البخت: إبل عظيمة السنام.
فإن لهذه الإبل قدرا ومكانة في شرع الله -عز وجل- وعند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا كان له -عليه الصلاة والسلام- القصواء والعضباء والجدعاء، وكان يهتم بها -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولكن ليس كالاهتمام الذي حصل في هذا العصر، بصرف الملايين وإثارت النعرات، وحصول الفخر والخيلاء وليحذر أصحاب الإبل من قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال، كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: "الفخر والخيلاء عند أهل الإبل"، وعند ابن ماجه: "الإبل عز لأهلها"، نعم، عز لأهلها. لكن؛ هل هي عز للإسلام والمسلمين؟ جاء في الصحيحين قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- مع ذكر الفخر والخيلاء: "ألا إن القسوة وغلظ القلوب عند الفدادين عند أصول أذناب الإبل"، من هم الفدادون من أصحاب الإبل؟ قال العلماء: هم الجفاة من الأعراب الذين يستكثرون من الإبل استكثار عظيماً، يصل هذا العدد ما بين مائتين إلى ألف من النوق، فهؤلاء يصدق عليهم الوصف.
([1])،
ﷺ
([2])،
ﷺ
فاللهم زدنا يقينًا بشرعك، وإيمانًا بكتابك
الخطبة الثانية: الحمد لله...
تحريم الربا في الإسلام
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) فتاوى ابن تيمية (19/308)
(1) فتاوى ابن تيمية (19/308)