مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:36:18

حفظ النفس في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

حفظ النَّفْس في الإسلام

بين جور الجاهلية وطغيان الأمم الغربية

20 / 2 / 1444هـ

الحمد لله الذي أكرم النفوس، وصانها بجمال الشرائع، علَّم الإنسان صنعةَ اللَّبوس، وجعل له عقلاً يميز به المحاسنَ والقبائحَ، أشهد أن لا إله إلا الله، حكيمٌ فيما أمر، صادقٌ فيما أخبر، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) النساء: ١٢٢ ، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، الصادقُ الأمين، وسيّدُ الخلقِ أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:  

صيانة الشريعة لعقول البشرية.

إن من كمال الشريعة وتمامها، أنها كانت سببًا في تكميل عقل الإنسان، لأنها دلَّته على مصالح دنياه وأُخراه، كيف؟! وهي مِنْ لدُن حكيم خبير، (ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الروم: ٣٠ ، فلو عمل الإنسان بالشريعة الواسعة، لطاب له العيش، ولسلم له العقل، ولو وُكِل الإنسان إلى عقله وهواه لَوُكِل إلى ضعف وخَور (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: ٧٢، وما ذاك إلا لأن الإنسان ظن -بعقله الضعيف- أن له أن يحكم ما يريدُ لنفسه، ويُشَرِّعَ ما يرسمُه هواه، لكنَّ حُكمَهُ ضعيفٌ قاصر، وهواه جامحٌ خاسر، ولو تمسك بالشريعة لعلم أنها ترحم ضعفه، وتقوي كسره (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) النساء: ٢٨

تخبطات عقول الجاهلية في حفظ الأنفس.

جاء الإسلام ليرفع عن البشرية عُبّيَّة الجاهلية وغطرستَها، فكانت الجاهلية مرتبكة في تحكيم العقل، متناقضة في الرجوع إلى الذوق، فَحَرَّمُوا مِلأ أهوائهم، وأباحوا باعتبار شهواتهم، حتى أكلوا الميتة، وخنقوا الشاة، وشربوا الدم، قال ابنُ عباس: "كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ، وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ؛ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلاَلَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ"([1]).

ومن تخبطات الجاهلية، التي تدل على فساد عقولهم، تخبطاتُهم في قتل النفوس، فقد كانوا على أحكام جائرة، وعلى شطط عظيم، ومن ذلك (أي):

1- من تخبطات الجاهلية في قتل النفوس أنَّ أكثرهم لا يرضون إلا بالثأر، حتى خَيَّل لهم الشيطان أن نفس المقتول تنقلب إلى بومة تصيح وتنادي بقتل القاتل، وهي الهامة التي نفاها الإسلام حيث قال : "لا هَامَةَ ولا صَفَر"([2]) ، فكان أهل الجاهلية يقولون: ليس أحدٌ يموت فيُدفن إلا خرج من قبره هامة، فلا تزال تقول: اسقوني، اسقوني حتى يُؤخذ بثأره.

بينما جاء الإسلام ناشرًا مبدأ العفو، مرغبًا فيه، فعن أنس قال:" ما رأيتُ النَّبيَّ رُفِعَ إليهِ شيءٌ فيهِ قصاصٌ إلَّا أمرَ فيهِ بالعفوِ"([3]). وليس في العفو إذهابٌ لحق المظلوم، بقدر ما فيه من  إيصاد مداخل الشر، والحرص على إعادة اللُّحمة، وإحياء النفوس والأرواح، إلا إنْ اختار الأولياءُ القصاص فلهم ذلك، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ١٧٩ .

2-ومن تخبطات الجاهلية في قتل النفوس: أنَّ كثيرًا منهم يظلم في الثأر، فلا يُقتل عندهم الحرُّ بالعبد، لاحتقارهم العبيد، ولا يُقتل الرجلُ بالمرأة ازدراء للنساء، ولا يُقتل الشريفُ بالوضيع امتهانًا للضعفاء([4])، بل قد يقتلون القبيلة لأجل الواحد، وكان شاعرهم يقول:

ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينـــــــــــــا

                          فنجهل فوقَ جهلِ الجاهِلِينا

فأنزل الله ردَّ هذا العدوان والصَّلَف آياتٍ من أعظمِ آيات العدل والإنصاف في الإسلام، حيث قال تبارك وتعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ) البقرة: ١٧٨.

3-ومن تخبطات الجاهلية في قتل النفوس: أنهم كانوا يدفنون بناتِهم أحياءً، إما خشية الفقر أو خشية العار، فكانت الجاهليةُ يقتل أحدُهم ابنته، ويَغْذُو كلبَه، فعاتبهم الله على ذلك([5])، (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) ، بل جاء الإسلام باجتثاث هذه العادة عندما أوصى بالبنات خيرًا، ووعد المُحسنَ لهن أجرًا، فقال: "من كان له ثلاثُ بناتٍ فصبر عليهن، وأطعمهنَّ، وسقاهنَّ، وكساهُنَّ مِن جِدَتِه، كنَّ له حجابًا من النَّارِ يومَ القيامةِ" رواه أحمد، وصححه محققو المسند.

تخبطات العقول الغربية في حفظ الأنفس.

ولو تأملنا في واقعنا المعاصر لوجدنا عوائد الجاهلية القديمة لا زالت تملأ أجواء العقول المعاصرة، بل زادت جورًا وظلمًا على العقل الجاهلي القديم، وذلك من خلال عدة صور:

1- فمن تخبطات بعض العقول الغربية في قتل النفوس: أنهم منحوا الحق الكامل للمرأة في قتل الأجنة في الأرحام([6])، زعمًا أن ذلك يتماشى مع الحرية المعاصرة، وبئس ما زعموا، وما ذلك إلا حبَّ الفساد في الأرض، وتمريرَ مشروع حرية الفساد الأخلاقي، وقد قال تعالى عن هؤلاء الذين يقتلون النسل في الرحم: (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)

2- ومن تخبطات بعض العقول الغربية في قتل النفوس: سعيهم الحثيث إلى قتل الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وذلك بمنح الحرية في الجريمة الكبرى، وهي حق زواج الذكرين، وهو ما يعرف في شريعة الإسلام بالفاحشة التي نهى عنها القرآن فقال: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) ، ولا شك أن هذه الجريمة تساهم في قتل النفوس بطريق غير مباشرة، وذلك عندما يكتفي الرجلُ بالرجل، أو المرأةُ بالمرأة، مما يعني قتل النسل، وإهدار النُّطَف، وعندما جرَّمت المملكةُ هذه العادة النكراء شُنَّ عليها حملةٌ منظمةٌ شرسة، خصوصًا عندما رفضت ميثاق الأمم المتحدة والذي دعا في إحدى فقراته إلى حق ما أسموهم بالمثليين. فاللهم إنا نعوذ بك من طمس القلوب، ونعوذ بك من عذابك ورجسك إلهَ الحق، اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار، وأنزل علينا موجبات رضاك عنا.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

تعظيم إبقاء النفس وإحيائها في الإسلام.

لو نظرنا إلى بعض الأنظمة العالمية الجائرة اليوم، وكيف أنها فتحت باب الاختيار للإنسان ليقتل نفسَه، ويهتك عرضَه، ويحدِّد جِنَسه، وما علموا أن مردَّ كلِّ ذلك إلى الله، وليس لهم الاختيار في أن يفعلوا في أنفسهم ما يريدون، كما قال: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ" رواه البخاري. وفي المقابل لقد منح الإسلام حقًا عظيمًا للنفس البشرية، وصانها عن الضرر أو القتل، وتوعد قاتلَها، وأكرم مُحييها، فقال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وإنَّ من أسباب إحياء النفس أن يتعلم الإنسان كلَّ سبيل نافع يُنقذ به نفسًا منفوسة، أو يساعد روحًا منكوبة، كدورات الإنعاش، ومحاضرات الإسعاف الأولي، فاللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وأجرنا من خزي الدنيا والآخرة...

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  رواه أبو داود.

([2])  رواه البخاري ومسلم.

([3])  رواه أحمد، وصححه محققو المسند.

([4])  انظر: تفسير القرطبي (2/245).

([5])  انظر: تفسير القرطبي (19/233).

([6])  عبر بعض المنظمات الحقوقية الغربية مثل حركة حرية الاختيار (Pro Choice Movement) .

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة