بسم الله الرحمن الرحيم
7 / 2 / 1442
"قريش"
في ضوء الاجتماع والأمن
الحمد لله الذي جعل الأمن أمانًا، وجعل الأمان نعمة، وأمر بالاعتصام لُحْمةً واطمئنانًا، وجعل التفرق فتنة، أشهد أن لا إله إلا الله، لا ندَّ له في تشريعه، ولا نظير له في مِننِه وآلائه وتقديره، فاتقوه واشكروه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله الله مِصْباحًا للظُلَم، مِطْفَائًا للشرور والإحن، جمع الله به القلوب بعد تنافر، ووحّد به الجموع بعد تقاتل وتدابر، صلى الله عليه وسلم، ومن اتبع هديه، ووصل ما أمر بوصله، وقطع ما أمر بقطعه، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:
سكان الحرم وعُمّار الكعبة.
عباد الله. إن من أشهر القبائل في جزيرة العرب وقت الجاهلية، وأكثرِها بطونًا، وأعظمِها شأنًا بينهم: قبيلةَ قريش، فقد أوقر الله بحكمته في قلوب الناس أن لهم مكانة وحرمة بين القبائل؛ لأنهم سكانُ الحرم، وعُمّارُ الكعبة.
تَجَمُّع قريش بعد تفرقها.
وقد كانت قريش متفرقةً في الجزيرة، متشتتةً في الأرحام، لا تذكرهم العرب، ولا تعرفهم، حتى جَمّعهم قصيُّ بنُ كلاب في الحرم.
قريش هو لقبٌ لقصي.
وقصي بن كلاب هو الجد الرابع للنبي ﷺ، وقد تغلَّب قصي على خزاعة، وتولى أمر مكة، فكان له شرفُ الحجابة: أي حجابةُ مفتاح البيت، وشرفُ السقاية والرفادة، وشرفُ الندوة: وهي الدار التي يجتمع فيها قريش للمهام الضخام، وشرفُ اللواء، أي: لواءُ الحرب، فحاز قصيُّ شرف مكة كلِّها؛ ولذا كان قصي هو مَنْ جمع أبناء عمومته، فَلُقِّب بقريش، ولم يُلقب أحدٌ قبله بذلك([1]).ومعنى قريش: الذي يجمع الناس.
قريش التجار.
وقد ذاع صيت قريشٍ بالتجارة، وعُرفوا بها مِن بين القبائل، وقد وطَّدوا علاقتِهم بالدول، وأقاموا الأحلاف مع سادات القبائل، فضمن لهم ذلك الأمنَ التام أينما حطوا وحلوا، وأينما سافروا ورحلوا، حتى فشت التجارة القرشية في كل مكان، حتى عرفوا بـ"قريش التجار".
قريش تتكيف مع طبيعتها الصلبة.
ولما كانت طبيعة مكة طبيعةً جبليةً جافةً صعبةً، كما وصفها الخليل: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) إبراهيم: ٣٧، قابلت قريش هذه الطبيعة بالمسالمة والموادعة مع الناس، يدفعون الإساءة بالصبر والحلم، حتى سادوا العرب، في وقت غلبت فيه الجاهلية وكثر فيه الاقتتال، فعلم الناس أمن مكة، حتى كان المظلوم من العرب يقول: "يا آل قريش".
قريش تعترض على الإيمان خوفًا من ذهاب أمنها!.
ولما بُعث النبي ﷺ، هاديًا للبشرية، ومنقذًا من الوثنية، اعتذرت قريش عن الإيمان والتصديق بأنهم إنْ آمنوا بمحمد ذهب أمنُهم، وضاع رزقُهم، وتخطفتهم القبائل! فقالوا: (إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا)القصص: ٥٧ فقال الله رادًا على شبهتهم: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا) القصص: ٥٧. كنتم آمنين في حرم الله، تأكلون من رزق الله مع أنكم كنتم تشركون به، أفتخافون إذا آمنتم بالله وصدقتم رسلَه أن يذهب هذا عنكم؟! ولذا قال في آخر الآية: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) القصص: ٥٧، أي لا يعقلون، فهم غافلون عن الاستدلال، وأنّ من رزقهم وأمَّنَهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا.
قريش تنزل بشأنها سورةٌ لم يُذكر فيها أحدٌ غيرهم.
وكان من شأن قريش أن أنزل الله فيهم سورة، لم يُذكر فيها أحدٌ غيرُهم، فقال تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)
وتأمل كيف جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل، سورةُ الفيل التي فيها ذِكرُ أجلّ نعم الله على قريش، وهو انتقام الله وبطشُه على من أراد قريشًا وأمنَها بسوء.
ثم تأمل كيف بدأت سورةُ قريش بحرف التعليل اللام، فقال تبارك وتعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)، وتقدير الكلام: "فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب"([2]).
سورة قريش تستثير الحياء، وتُثور الخجل.
ذكَّر الله قريشًا نِعَمَهُ حتى يستثير حياءَهم، ويُثوِّر الخجل في قلوبهم، كيف يشركون به! مع تكاثر النعم عليهم، مع أنهم يوحدون الله في رخائهم؛ ولذا جاءت سورة الفيل قبل هذه السورة حتى توقظ في قلوبهم مشهد عبدالمطلب الذي لم يواجه أبرهةَ بالتقرب للأصنام، وإنما بقوله: "أنا رب الإبل، وللبيت ربُّ يحميه".
فاللهم أدم علينا نعمك الظاهرة والباطنة، وأدم علينا شكرها، وذكرها، والعمل بموجبها على الوجه الذي يرضيك عنا...
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
الأمن من أكبر النعم الدنيوية.
عباد الله. إن رغد الرزق، والأمنَ من الجوع، والسلامةَ من المخاوف، لهي من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله تعالى.
الاعتصام بالجماعة صمام أمان للنعم.
فيا عباد الله. إنه لا يُعلم بعد توحيد الله، وإقامة دينه، أعظمُ صمامٍ للأمان من: الاعتصام بالجماعة، وعدم الخروج عن الطاعة، فإنها لما استقامت قريشٌ على قصي ابن كلاب دانت لهم النعم، وإن الناس متى حَلُّوا وصال صمامهم بدعوات مارقة، وأفكار خارجه فإن النعم عليهم تُبَدَّل وتُحَوَّر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أهم قواعد بناء النظام السياسي في الإسلام.
وإن الطاعة من أهم أسس الحكم في الإسلام، ومن أهم قواعد بناء النظام السياسي فيه، بل الطاعةُ من الأمور الضرورية التي بدونها لا تتمكن أيُّ دولة من تحقيق أمنها، بل وإيمانها، ورضي الله عن عمر حيث يقول: "لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا أمير، ولا أمير بلا طاعة".
خطب عمرُ بنُ عبد العزيز فقرأ: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) الحج: ٤١ ثم قال: "ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والموالى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك، وبما للوالي عليكم منه؟ إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذَكم بحقوق الله عليكم، وأن يهديَكم إلى التي هي أقوم ما استطاع، وإنَّ عليكم من ذلك الطاعةَ غيرَ المبزوزة، ولا المستكرهة، ولا المخالِف سرُها علانيتَها"([3]).
فاللهم أدم على بلادنا نعمة الأمن والأمان والإيمان، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) انتصر لهذا القول ورجحه القرطبي في تفسيره (20/202)
(1) تفسير السعدي (ص:935)
(1) تفسير ابن كثير (5/434)