بسم الله الرحمن الرحيم
تقارب الزمان!
22 / 8 / 1446 هـ
الحمد الله.... أما بعد:
بداية القصة.
يمضي الناس الساعات، كلٌّ في شأنه وعمله، فتنتهي ساعات ليلِه وتمضي ساعات نهارِه، أربعٌ وعشرون ساعة تمر كالريح، ماذا بعد ذلك؟ يُطوى يومٌ بأسره، يعقبه يومٌ يعقبه يومان، فتُلفُّ صحيفةُ الأسبوع في سرعة برق، تنفلت الأسابيع تِلو الأسابيع لتُكَوِّن شهرًا انفصل من أعمارنا سريعًا وكأن شيئًا من الأحداث لم يقع فيه! شهرٌ بعد شهر، تتساقط الأشهر كتساقط حبات العِقد إذا انقطع، اثنا عشر شهرًا خاطفة، هذه سنة تامة تلاشت في ومضة، يَبْعث سُرعةُ انقضائِها على الحيرة والدهشة! إن كثيرًا من الناس اليوم يتفق على أن العالم بات يعيش في وقت يخترق الصوت من شدة تصرم أيّامه! .
نبوءات نبوية.
وإن من النبوءات النبوية، والتي حدّثت بها السُّنة الحديثية، أن الأيام والليالي لا تنقضي حتى يَعْجَلَ الزمان، قال ﷺ: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ" ([1]).
والمقصود بتقارب الزمان ما بينته الرواية الأخرى أنه ﷺ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، فَتَكُونَ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَيَكُونَ الشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونَ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونَ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونَ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَف"([2]).
تقارب الزمان الحسي!
وتقارب الزمان الذي أخبر به النبيﷺ في الأحاديث ينقسم إلى قسمين:
الأول: التقارب الحسي: وهو أن يقصُر اليومُ قِصَرًا حقيقيًا، فيكونُ اليومُ أقلَّ من أربع وعشرين ساعة، والأسبوعُ أقلَّ من سبعة أيام معتادة، وهكذا...، وهذا لا يحصل -والعلم عند الله- إلا باختلالٍ لنظام الكون، وانهارٍ للتوقيت العالمي المعروف.
وهذا أمر ممكن الحصول في قدرة الله، كما أن النبي ﷺ أخبر أن الأيام قد تطول أكثر من المعتاد، وذلك في أيام هي أكبرُ أيامِ الدنيا فتنة، وأشدُّها قلقلة، تلكم الأيام هي أيام الدَّجال، والتي تكون الساعةُ الواحدة فيها تعادل ثلاثمئةٍ وستين ساعة! سُئلﷺ: وما لبث الدجال في الأرض؟
فقالﷺ: "أربعون يومًا: يومٌ كسنةٍ ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسائرُ أيَّامِه كأيَّامِكم"([3]).
وهنا يَتَــنَبَّه أصحابُ النبيﷺ إلى مسألةٍ في غاية الأهمية، وهي مسألة مواقيت الصلاة، فقالوا: "يا رسول الله. فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟"، فهذا اليومُ الطويلُ جدًا جدًا، هل يجزئ لنا فيه أن نصلي خمس صلوات فقط؟ فلك أن تتخيل أن ما بين المغرب والعشاء ما يعادل خمسة عشر يومًا! فقالﷺ:"لا". أي: لا تكفيكم صلاة يوم، ثم قالﷺ: "ولكن اقدروا له قدره".
وطول هذا اليوم له مثال قريب ومشاهد، فإن مِن البلاد التي تكون شمال الأرض ما لا تغيب عنها الشمس صيفًا ولا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو ما يستمر نهارُها ستةَ أشهر، ويستمر ليلها ستةَ أشهر، (وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) الكهف: ٤٥، فهؤلاء يُحدّدون أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتُعرَف فيها أوقاتُ الصلوات الخمس، وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان وتحديدُ دخولِه وخروجِه معتمدين في ذلك إلى أقرب البلاد لديهم.
تقارب الزمان المعنوي!.
القسم الثاني من أقسام تقارب الزمان الذي أخبر به النبيﷺ: التقارب المعنوي: وله صور كثيرة، منها:
1-اختصار المسافات، وقربُ البعيد، فبينما كان أهل النجد يصلون إلى مكة في شهر، يكابدون المشقة والعناء، ويخافون اللصوص والحنشل، إذا بهم يصلون في ظل ساعة من نهار، وهم متكئون على الأرائك في سيارة أو طيارة أو قاطرة.
قال ابن باز: "التقارب المذكور في الحديث يُفسَّر بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم وقِصَر المسافة بينها بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك"([4]).
وإن من صور تقارب الزمان المعنوي:
2-تقارب الاتصال، وسرعةُ معرفة الأخبار، وكان الناس في الزمن الغابر يعيشون حياة بطيئة الحِراك، ثقيلة الدوران، يعتمدون على رسائلَ بِدائيةٍ جدًا، تخلو من الدقة، وتتسم بضيق المدى، كجدران الكهوف، أو الدخانِ والنارِ إشارةً إلى قدوم مُنتَظَر، أو التحذيرِ من شرٍّ داهم، ثم تطور الوضع إلى إرسال الرسائل الخطية عبر الحمام الزاجل في الحروب، أو الاتكاء على رحلة الفارس بالخيل، وعادةً ما تصل الأخبارُ متأخرة، فلا تجدي نفعًا.
ثم انتقل الوضعُ إلى وسائلَ أكثرَ دقة، وأسرعَ وصولًا، كالتلغراف، والهاتف، وموجات المذياع، حتى وصل الأمر إلى درجةٍ عاليةٍ من الاتصال الفوري والمرئي عبر المسافات الشاسعة، في أي مكان، وفي أي زمان، وأصبح العالم في حجرة واحدة، وحصل من التطورِ الهائل كثيرٌ من البرامج والتطبيقات والتي أدى الإفراطُ فيها إلى الإزعاج الفكري، والقلق النفسي، فانتقل الأمر من كونه آلةً صالحةً نافعة، إلى كونها آلةً تنهش من زمن الأنسان، وتأكل من وقته، وتشتت أفكارَه وذهنَه، وصدق علينا قولُ أبي حازم: "مَا فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسُرُّكَ إِلَّا قَدِ الْتَصَقَ بِهِ شَيْءٌ يَسُوؤُكَ"([5]).
تقارب الأسواق!
وإن مما يكون في آخر الزمان تقاربُ الأسواق، قال ﷺ: "يُوشِكُ ألا تقومَ الساعةُ حتى تتقارَبَ الأسواقُ"([6])، وقد غدت الأسواق اليوم قريبة إلى حدٍّ ما كان يتصوره عقل، ولا يخطر بقلب خاطر، فلأي فرد من الأفراد أن يطلب بضاعة من أقصى بقاع الأرض، ومن أبعد حوافّ البلدان والعمران، فتصل عنده وإليه وهو لم يُحوِّل عملةً أو يتحرك من مكانه شبرًا، وهو ما يُعرف بالأسواق الالكترونية، والمتاجرِ عبر الشبكة العنكبوتية، ناهيك عن تلاصق المحلات التجارية اليوم، في الأحياء السكينة والشوارع العامة، حتى لا يكاد يخلو شارع إلا رأيت فيه امتدادَ النظرِ من محلاتٍ ودكاكين، فلا إله إلا الله إذْ علَّم نبيَّه وصدَّقه.
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
سرعة الأيام عليك دليل الصحة ورغد العيش!
عبد الله. إن كنت من الناس الذي لا يستطيع أن يحسب ليلَه ونهارَه بسبب سرعة انقضاء الأوقات، وإن كنت ممن يرى الأسابيع تمضي في عينه كشريطٍ للذكريات يمرُّ مرورًا خاطفًا لا يميز فيه الصور والمشاهد، فاعلم أنك في نعمةِ صحة، وتقلُّب عافية، لا تشكو مِن مرض يُثقِّل ليلك، ولا دينٍ يُبطئ نهارك، ولا همٍّ يُكبل ساعاتك، فإن من استلذ العيشَ وطاب لديه الليل والنهار قَصُرت لديه المُدَّة، وسرعت في حسابه الحياة، "وَمَا زَالَ النَّاس يَسْتَقْصِرُونَ مُدَّة أَيَّام الرَّخَاء وَإِنْ طَالَتْ، وَيَسْتَطِيلُونَ مُدَّة الْمَكْرُوه وَإِنْ قَصُرَتْ"([7])، فما أحوج العاقل إلى قلة الشكوى، وتذكرِ النعم الفُضْلى، فإن من كان شكورًا طاب له العيش، ومن كان كفورًا ضاق عليه فسيح الحياة بسبب ضيق عقله والطيش، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) طه: ١٢٤
نسبية الزمن والباب الذي لا يُفتح!.
عبد الله. تظلُّ حقيقةٌ واحدةٌ لا شك فيها ولا مراء، وهي أن الزمن شيء نسبي يختلف من شخص لآخر، ومن مكان لمكان، ومن زمن لزمن، لكن يبقى شيءٌ واحد هو الحقيقة الحتمية التي سنصل إليها جميعًا، قصر زمانك أيها الأنسان أو طال، رغُد فيه نعيمُك أم ضاق، هو باب واحد إذا دخلت منه فلا خروج، إنه باب الموت، والانتقال إلى الدار الآخرة.
الموتٌ بابٌ وكلُّ الناس داخلُه
يا ليت شعري بعد الموت ما لدار
الدَّارُ جنَّة ُ خلدٍ إنْ عمِلتَ بِمَا
يُرْضِي الإلَهَ، وإنْ قصّرْتَ، فالنّارُ
قال الفضيل ابن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي، فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسنُ فيما بقي، يُغفرْ لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي([8]).
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر حوزة الدين، اللهم وفق ولي أمرنا لكل ما تحبه وترضاه، اللهم اجعله ذخرًا للإسلام والمسلمين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه البخاري.
([2]) رواه أحمد، قال ابن كثير: إسناده على شرط مسلم.
([3]) رواه أحمد، قال ابن كثير: إسناده على شرط مسلم.
([4]) تعليقاته على فتح الباري (2/522).
([5]) الزهد، لابن أبي الدنيا (ص:175).
([6]) أخرجه أحمد وصحَّح إسنادَه شعيب الأرناؤوط.
([7]) فتح الباري (13/16).
([8]) حلية الأولياء (8/113)