بسم الله الرحمن الرحيم
(النظر) في القرآن
20 / 8 / 1445 هـ
الحمد الله أما بعد:
إهمال الحواس.
إنما يجد الإنسان قيمته، ويُحصِّل الرجل ذاته، إذا هو أعمل جوارحه، واستغل أحاسيسه، فكلُّ جارحة لها عملُها الحق، التي خلقت له، ومن أهمل جوارحه فهو كالصنم الذي ليس له جوارح، كما قال تعالى عن الأصنام: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ) الأعراف: ١٩٥، ومن أهم هذه الجوارح جارحة النظر، فالنظر هو بوابة العقل، ومن خلاله يستنير القلب أو يظلم. فالنظر هو المرآة التي يرى بها الإنسان العوالم من حوله، ويتأمل الواقع المحيط به. فإما مرآة صافية، لا ترى إلا الجميل، وتنقل الحقائق كما هي، أو مرآةٌ متكدرة، لا تبصر إلا القبيح، وتنظر إلى الأمور من زوايا متكسرة ومتهشمة. يحدثنا القرآن كثيرًا عن النظر، وهنا سنقلب الفكر في عرض بعض ما ذكره الله في كتابه المُقدَّس.
من أحسن النظر ورثه الله النَّضْرة.
إن العامل يستوفي أجره على حسب كدِّه وعمله، فمن أحسن، أُعطي الإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فالمؤمنون يورثهم الله حسن الوجوه من آثار النعم والسعادة، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ) ثم يورثهم حسن النظر (إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فمن أحسن النظر في الدنيا، أُعطي أعظمَ لذةِ النظر في الآخرة، قال ﷺ:"فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ"([1]) ثم تلا رسول الله ﷺ: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ) يونس: ٢٦". وإن من أسباب الظفر برؤية وجه الله الكريم التبكير إلى صلاة الجمعة، قال ابن مسعود: "سَارِعُوا إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ فَيَكُونُونَ فِي قُرْبٍ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا"([2])، قال ابن تيمية: "وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَمْرٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا نَبِيٌّ ...، فَيُعْلَمُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ"([3]).
نظر التأمل والاعتبار.
وإن من أعظم أنواع النظر، والذي يورث رزانة العقل، وحسن المنطق: نظرَ التأمل والاعتبار، فكثرةُ التأمل لا يقع إلا من حصيف، وامتدادُ التفكر لا يكون إلا من رزين ثقيل؛ ولذا دعا الله كثيرًا إلى إعمال النظر في إدراك العواقب والمآلات، وأن الذي لا يُعمِل نظره في النظر فهو كمن ليس له نظرٌ ولا قلب: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: ٤٦"حْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوَاعِظِ، ونَوِّره بالفِكْر، وقَوِّه بِالْيَقِينِ، وذَلِّلْـهُ بِالْمَوْتِ، وبَصِّره فَجَائِعَ الدُّنْيَا، وحَذِّره صولةَ الدَّهْرِ، وَفُحْشَ تَقَلُّب الْأَيَّامِ، وَاعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ، وَذَكِّرْهُ مَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ، وسِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ، وَانْظُرْ مَا فَعَلُوا، وَأَيْنَ حَلُّوا، وعَمَّ انقَلَبُوا"([4])، فليس العمى عمر البصر، وإنما العمى عمى البصيرة.
وفي هذا الشتاء الاستثنائي، هذا الشتاء الموسوم اليوم عند كثير من الناس بشتاء الدفء، فزَّت فيه الأعشاب، وأورقت فيه الحشائش، وأينعت فيه الورود إذ لم تتعرض بعد المطر بحدة برد يحرقها، أو بتجمد يبطلها، وإني أدعوكم إلى النظر إلى دعوة الله إذ قال: (فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة الروم.
كما أن الله دعاكم إلى النظر نظر الاعتبار والتأمل، في بعض مخلوقاته الأرضية، فقال تعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) الغاشية: ١٧ "فَإِنَّهَا خَلق عَجِيبٌ، وَتَرْكِيبُهَا غَرِيبٌ، فَإِنَّهَا فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَلِينُ لِلْحَمْلِ الثَّقِيلِ، وَتَنْقَادُ لِلْقَائِدِ الضَّعِيفِ، وَتُؤْكَلُ، وَيُنْتَفَعُ بِوَبَرِهَا، وَيُشْرَبُ لَبَنُهَا...، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: اخْرُجُوا بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ"([5])، وسئل الحسن البصري: الفيل أعظم في الأعجوبة؟: فقال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم الفيل لا يؤكل لحمُه، ولا يركب ظهرُه، ولا يحلب دَرُّهُ.
نظر الإمهال والتأجيل.
ومن أنواع النظر نظرُ الإنظار والتأجيل، ومن أعظمها أن يُنظِر الدائن غريمَه، ويمهل مدينَه، ولا يستعجل باستيفاء الدين من المديون المُعسر، قال تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ) ثم ندب إلى العفو عنه بوضع الدين أو بعضه فقال: (وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة: ٢٨٠، قال ﷺ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ"([6])، وقال ﷺ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ"([7])، فهل رأيت مثل هذا النظر رحمةً، ومثل هذا الإنظار شفقةً، ومثل دين الإسلام سماحة ورأفة. أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
غض البصر، وكف النظر.
وإن أعظم الرزايا، وأبلى البلايا، أن يطلق المرء نظره في المحارم، ويجوبَ بصرُه في الممنوعات، فالمؤمن الكريم يغض عن العورات، ويحفظ عينه عن إثارة الشهوات، ولا يمد رؤياه إلى بيوت الناس، وما أغلقت عليها أبوابُها، فإن من حفظ نظره توقى قلبُه السهام، وزرع في فؤاده الأنس بالرحمن، وأورثه ذلك سعادةً يُجالِد عليها الملوكُ وأبناؤهم. (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) النور: ٣٠
النظر في تقلب الأيام، والتبشير برمضان.
ختامًا...إن من لطائف النظر، وجميل تأمل الفكر، أن يعتبر الإنسان في دوران الليل والنهار، وتصرمِ السنين والأعوام، وعودةِ الزمن زمنًا بعد زمن، (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) آل عمران: ١٩٠، فما إن ودعتم رمضان بالأمس، وإلا وأنتم على أبوابه اليوم، في سرعة البرق، ولمح النظر، ودنو الأجل، ونقص العمر، فمن وصل إلى اليوم وهو في نعمة الفراغ والعافية فليعلم أنه في دوحة النعيم، وظلال المُنعم، فليشكر الله، وليسأل الله التمام والإكمال، قال ﷺ: "نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ"([8]).
فاللهم بلغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا آخرها، وخير أيامنا يوم لقائك، اللهم أعزَّ المسلمين بطاعتك، ولا تذلهم بمعصيتك، اللهم اجعل عامنا هذا وما بعده عام أمن وعزٍّ ونصر للإسلام والمسلمين، وأسبغ علينا نعمك، وارزقنا شكرها، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، اللهم نج المستضعفين في غزة والسودان، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه مسلم.
([2]) رواه الدارقطني، وصححه ابن تيمية.
([3]) مجموع الفتاوى (6/ 403-405) بتصرف يسير.
([4]) مجموع الفتاوى (6/ 403-405) .
([5]) تفسير ابن كثير لسورة الغاشية.
([6]) رواه مسلم.
([7]) رواه أحمد، وصححه محققو المسند.
([8]) رواه البخاري.