بسم الله الرحمن الرحيم
23 / 1 / 1442
"قاطع البغي ومطفئ الفخر"
التواضع
الحمد لله...
سبيل الشرفاء، وطريق النجباء، لا يسلكه أحدٌ إلا عز، ولا يجانبه قلبٌ إلا ذلّ، خلقٌ مجيد، ومكنون في القلب حميد، خلقٌ يستهوي الأفئدة، ويعلو على الأخلاق البائدة، هو من أخص صفات عباد الرحمن، بهذا الخلق يُعَظِّم العبد ربَّه، ويلين المرءُ لإخوانه، ويُوطِّئ لهم كَنَفَه، وهو الخلق الذي يقطع البغي، ويطفئ الخيلاء والفخر.
إنه خلق التواضع.
حقيقة التواضع: أن يتواضع المرء لصولة الحق.
التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق.
يعني: إذا جاءك الحق فاقبله، وكن له منقادًا، مطيعًا ذليلاً، وبهذا يحصل للعبد خلقُ التواضع. ومن هنا فسّر النبي ﷺ من ردَّ الحق بالمتكبر، فإن التكبر نقيض التواضع، وكلاهما في طريق متباين عن الآخر، قال ﷺ: "الكِبْر بَطْر الحق، وغمطُ الناس"([1])، يعني: رد الحق، وازدراءُ الناس واحتقارُهم، ومفهوم الحديث: أن التواضع قبولُ الحق، ومعرفةُ منازل الخلق.
أعظم التواضع: التواضع لرب العباد.
وأصل التواضع أن يتواضع الخلق لعظمة الخالق، فإن من عرف الله وأسماءَه وصفاتِه، وعظيمَ وصفه، ونعوتَ جلاله، ذلَّ لربه، وخضع له، فرفع الله ذكره وشأنه.
تَوَاضَعْ لِرَبِّ الْعَرْشِ عَلَّكَ تُرْفَعُ فَقَدْ فَازَ عَبْدٌ لِلْمُهَيْمِنِ يَخْضَعُ
"وكما أن من تواضع لله رفعه، فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه، وصغره وحقره"([2]).
ومن أراد أن يعرف:
هل هو من المتواضعين لله أم لا؟ فلينظر.
هل عرف الله حق معرفته؟
وهل قَدَرَ الله حق قدره؟
فإنّ التواضع لله: أن يعرف العبد عظمة مولاه، فإن نتيجة ذلك أن يخضع لقوله، وأن يأتمر بأمره، وأن يجتنب نهيه، فإن المتواضعين هم أقرب الناس لربهم، فلا يُرَون إلا في طريق رضاه، ولا يُفْتقدُون إلا في سُبُل غضبه، أولئك هم المخبتون.
أتدري مَن هم المخبتون؟
إنهم المتواضعون لله: الموحدون له بالعبودية، والمستسلمون لدينه ولرسله بالطاعة ولانقياد([3]).
(فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) الحج: ٣٤، قال قتادة: وبشر المتواضعين.
بم شَرَّف الله جبل الطور؟
أقسم الله -جل في علاه- بجبل من جبال الدنيا، فقال تعالى: (وَالطُّورِ) الطور: ١، ووصفه الله بالحسن والبهاء فقال (وَطُورِ سِينِينَ) التين: ٢ ، فسينين: هو الجبل المبارك الحسن([4])، أتدري بم شرف الله هذا الجبل؟
" قال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه عن نوف البكالي، قال: "أوحى الله عزوجل إلى الجبال إني نازل على جبل منكم، قال فشمخت الجبال كلُّها إلا جبلَ الطور فإنه تواضع وقال أرضى بما قسم الله لي"([5]).
فبسبب تواضع الجبل لربه أكرمه الله بتخليد اسمه في كتابه، وجعله مكانًا لمواعدة موسى، قال ابن القيم: "وجبلٌ هذا شأنه حقيق أن يقسم الله به، وإنه لسيد الجبال"([6]).
فإذا كان ها شأن الجمادات، فكيف بأرباب العقول؟
"فمن تطاول تعظّمًا حطّه الله، وَمن تواضع تخشّعا رَفعه الله"([7]).
تواضع للعلم، تَنَلْ شرف الرسوخ.
وإن من شيم الصالحين، ومن خلال المؤمنين: أنهم ينالون العلم، ويعظون أنفسهم بضرورة التواضع، فما نال أحد العلم إلا وكسَّر الكِبر على جبال الطلب.
فيا طلاب المدارس والجامعات كونوا على حقيقة نقية، ومحجة بيضاء، فإنه لن ينال أحد منكم بركة العلم إلا إذا هوَّن من نفسه أمام مُدَرِّسه، وعَرَف له حقَّه وعِلْمَه.
فيا أيها المعلم ترفق بطلابك، فهم مبتدئون في العلم وقدِّر في السَّرد، فللعالم رسوخ، وللمتعلم قلق.
ويا أيها الطالب تواضع في الطلب، فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهورًا للوجه([8]).
أعظم الخلق تواضعًا من اختار العبودية على المُلك.
يا عبدالله. أتدري من هو أعظم الخلق تواضعًا، إنه من اختار العبودية على المُلك، إنه نبيك محمد ﷺ.
إن الله سبحانه أرسل جبريل إلى النبي ﷺ يخيره بين أن يكون مَلَكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا، فنظر إلى جبريل كالمستشير له، فأشار إليه أن تواضع. فقال ﷺ: "بل أن أكون عبدًا نبيًا"([9])، وقد ذكر الله سبحانه نبينا محمدًا ﷺ باسم عبوديته في أشرف مقاماته فقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) الإسراء: ١ ولم يقل برسوله ولا نبيه، إشارة إلى أنه قام هذا المقام الأعظم بكمال عبوديته لربه([10]).
ووالله إن العبيد لا يعلمون مقامًا أشرف من مقام النبوة، ولا عزًا أعلى من عزة الرسالة، ومع كل ذلك يتواضع أشرف الخلق في أعز مكانة، فمن يكون بعده حتى يتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) الأحزاب: ٢١.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
التواضع: قاطع البغي ومطفئ الفخر.
عباد الله. إن الاعتداء على هذه الأرض، والغَشَم الذي يكون بين الناس، والطغيان الذي يؤججه البشر في الخصومات، لم يكن لو أن الناس تواضعوا لبينهم البين، قاله المصطفى ﷺ:" إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"([11]).
خاتمة من صور التواضع.
تواضع مع ربك: بمعرفة عظمته، وفعل أمره يرفَعْك الله، قال ﷺ:" ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"([12])، أي: يرفعك في الدنيا بين الناس، وفي الآخرة في أعلى المقامات.
تواضع مع زوجك وأهلك: تحل البركات على بيتك وفناء دارك، سُئلت عائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة([13]).
تواضع مع الصغار: واجعل من ذلك طريقًا لقبول توجيهك لهم، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يُكنى أبا عُمير، وكان له نغر يلعب به، فمات فدخل عليه النبي ﷺ ذات يوم فرآه حزينًا، فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال ﷺ: "يا أبا عمير ما فعل النُّغير"([14]).
تواضع مع الخدم: فإن هذه الفئة معيارٌ يختبر فيه الإنسان قلبه، ومدى تصلبه من لينه، قال ﷺ: "إذا أتَى أحَدَكُمْ خادِمُهُ بطَعامِهِ، فإنْ لَمْ يُجْلِسْهُ معهُ، فَليُناوِلْهُ لُقْمَةً أوْ لُقْمَتَيْنِ أوْ أُكْلَةً أوْ أُكْلَتَيْنِ، فإنَّه ولِيَ عِلاجَهُ"([15]).
اللهم اهدنا وسددنا...
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) رواه مسلم.
(2) مدارج السالكين (2/317)
(1) انظر: تفسير الطبري (18/628)، وحكاه عن قتادة .
(1) انظر: تفسير الطبري (24/505)، وحكاه عن جملة من السلف، ورجح غيره.
(2) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص:264)
(3) التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص:264).
(4) الفوائد، لابن القيم (ص:147).
(1) بدائع الفوائد، لابن القيم (3/227).
(1) أخرجه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
(2) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1/5).
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم
(2) رواه البخاري
(2) متفق عليه.
(2) متفق عليه.