مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:31:57

النظافة بين تشدد اليهود، وجفاء النصارى

بسم الله الرحمن الرحيم

النظافة بين تشدد اليهود، وجفاء النصارى

واعتدال الإسلام.

28 / 1 / 1444هـ

إن الحمد لله...

        أمرٌ معدودٌ من رونق الحياة، ومذكور من طيب المؤانسة، ومحفوف بجمال الروح.

        أمرٌ داخل في احترام الذات، ومشتمل على مراعاة مشاعر الناظرين.

        أمرٌ يدل على شيمة المرء، وكمال عقله ورشده.

أمرٌ هو كالمرآة، غالبًا ما يعكس دواخل النفوس، وأحوال القلوب.

أمرٌ دعا إليه الإسلام ورغب فيه الإيمان، وجعله من صفات الجلال والجمال.

إنه التنظف والتطهر، والظهور بمظهر المتنظفين المتطهرين، والبعد عن عما يشين المرءَ في ثوبه ونعله وشأنه كلِّه.

الجمال والنظافة قرينان.

وإن الجمال والنظافة قرينان، وإنهما على قدم المساواة صاحبان، لا قوام لأحدهما مع غياب الآخر، فكلاهما مُكَمِّل لا ينفك عن صاحبه، فمتى ما وَجَدتَّ الكاملَ جمالاً، فقد وجدتَّه الكاملَ تطهرًا ونظافةً.

جمال المظهر والمخبر.

ويجمع الحسنَ كلَّه من جمع بين جمال المظهر والمخبر، فإن نظافة الظاهر قد تكون انعكاسًا مباشرًا لنظافة الباطن، وإنما نظيف البدن يجمُل ويكمُل بنظافة القلب والروح، ولا أروع ولا أحسن ممن جمع بين الجمالين ففاق بذلك الأقران ونافس الأصحاب.  

قال -جل وعلا- في أعظم ترغيب وأسناه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة: ٢٢٢، فالتوبة جمال المخبر، والتطهر والتنظف جمال المظهر، فاهنأ بحب الله لك أيه الجامع بين النظافتين. (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) التوبة: ١٠٨

جمالُ الله في ذاته وصفاته... .

وإن من صفات الله الجمال: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، قال : "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ" رواه مسلم، وقال سعيد ابن المسيب: "إن الله نظيف يحب النظافة" ([1]).

فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلُّها عُليا، وأفعاله كلُّها حكمة وعدل، وأما جمال الذات وما هو عليه فأمر لا يدركه سواه ولا يعلمه غيرُه، إلا ما علَّم به عبادَه، فيُعرف اللهُ سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء.

محبة الله للجمال، وتجميله لأهل الجنان.

ولما كان -سبحانه وتعالى- جميلاً يحب الجمال كان -جل في علاه- يحب أن يخلق الجمال:

 فخلق جمال الثياب ليتجمل الخلق بها عن سوء التخلي عن اللباس، وقبح إبداء العورات، (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) الأعراف: ٢٦  .

ولما كان -سبحانه وتعالى- جميلاً يحب الجمال كان -جل في علاه- يحب أن يرى التنظف والجمال:

قال : " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" رواه الترمذي. "فيحب الله أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها"([2]).

ولما كان أهل الجنة لا يكمل لهم نعيم إلا بنظافة وجمال المظاهر والمخابر قال الله في وصفهم: (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا( الإنسان: ١١ - ١٢ "فجمَّل وجوههم بالنظرة، وبواطنهم بالسرور، وأبدانهم بالحرير، وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيأة، يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والثياب والهيأة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله"([3]).

       

شمولية الجمال والتنظف.

فعلى العبيد أن يتعبدوا لله بتجملهم وتنظفهم.

تجملوا بأحسن الأفعال، وألطف الأقوال.

تجملوا بطيب الألسن، وانتقاء أطايب الكلام.

أظهروا التنظف والتطهر والنقاء، بطيب المسك وعطر العنبر.

 وليبتعد العبد بلباسه عن الأنجاس والأوساخ، وليصن شعره مما أمرت الشريعة بحلقه ونتفه، ولينظف طرق المسلمين من الأذى، ولا يكن ممن يلقي وسخه على طرق الناس غير مبالٍ بأدب إسلامٍ ولا حضارة إيمان، وليكن قبل ذلك طيبَ السريرة، نقيَّ المخبر، فائحَ رائحةِ الذِّكْر الحسن، مشهودًا له بين الخلق بطيب الأخلاق، وحسن الآداب.        

فاللهم كما حسنت خلْقنا فحسن أخلاقنا، واجعلنا من أحبابك وأصفيائك وأوليائك

 

 

الخطبة الثانية:

 الحمد لله...

اعتدال الإسلام بين تشدد اليهود وجفاء النصارى.

 إن من المعلوم أن الإسلام لا يُدانيه دينٌ بين الأديان من حيث الاعتدالُ في التطهر والتنظف، والأمرُ بالتجمل والتطيب، فهو بين تشدد اليهود وجفاء النصارى.

أما اليهود: فقد قال رسول الله : "كان بنو إسرائيل إذا أصاب ثوب أحدهم البول، قرضه بالمقراض" رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، فمن تشددهم يرون أن الماء لا يكفي لإزالة النجاسة حتى يقطع الثوب بنجاسته.

أما النصارى فلا تكاد تجد في دينهم وجوبَ الغسل من الحيض، أو وجوبَ التطهر مما خرج عن السبيلين، فلذا وُجِد من القساوسة من لم يغتسل في حياته كلِّها([4])، بل صرح بعضهم أن النظافة ليست من الإيمان([5])، ثم لما فتح المسلمون بلاد أووربا أخذوا منهم آدابَ وحضارةَ الإسلام في التنظف، وقد كانوا كما قال الطرطوشي واصفًا تلك البلدان في ذلك الزمن: "ولكنك لن ترى أبدًا أكثر منهم قذارة! إنهم لا ينظفون أنفسهم ولا يستحمون إلا مرة أو مرتين في السنة بالماء البارد"([6]).

فلا عجب بعد ذلك أن يأتي الإسلام بمنهج رباني معتدل قويم حتى جعل التنظف نصف الإيمان كما قال : "الطُّهُورُ شطر الإيمان" رواه مسلم، ففرض الوضوء لكل صلاة، وأوجب الغسل من الجنابة والحيض، بل جعل الاستهانة بالنظافة إحدى مسببات عذاب القبر كما قالحين مرَّ على قبرين فقال لأصحابه يُحَدِّثُهم عن صاحبي هذين القبرين: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" متفق عليه. ومن هنا كانت النظافة عند المسلمين أمرًا دينيًا حتميًا لا مراء فيه.

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]رواه الترمذي موقوفًا في باب النظافة.

([2]الفوائد، لابن القيم ( ص:184 ).

([3]المرجع السابق ( ص:184 ).

([4]تاريخ الأمة القبطية ( ص:275 ).

([5]قصة الحضارة ( ص:122 ).

([6]فضل العرب على أروبا ( ص:122 ).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة