مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:23:17

الحزن-مناط تعلق به الشيطان

بسم الله الرحمن الرحيم

19/11/1441

"الحزن"

مناطٌ تعلق به الشيطان

الحمد لله...

عداوة الشيطان:

لا تزال الحربُ قائمةً يبنك وبين أشقى مَن على الأرض، وأبأس من نزل من السماء، مقيتٍ لا يريد لك الفلاح، خاسرٍ لا علاج له إلا بالكفاح، أخبر الله عنه فقال: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) يس: ٦٠، خُطُواتُه مشؤومة، ودركاته في النار معلومة، كما قال العظيم عنه وعن أتباعه: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ) ص: ٨٥، لكنّ كيدَه من أضعف الكيد، وسلطانُ المؤمن عليه قويٌ متين (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء: ٧٦ فذروا اتباعه، وتباعدوا عن غوائله ودوائره ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) النور: ٢١.

إنه الشيطان، الذي أخرجنا وأبانا من الجنة، وأقسم أن يُكاثر الناسَ معه إلى النار فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ص: ٨٢، وقد وَسَمَ الله مُصدِّقيه وأتباعَه بأنهم (حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة: ١٩ فبئس المولى من كان الشيطان مولاه، وبئس المصيرُ من كانت النارُ مصيرَه ومأواه.

فاللهم اجعلنا من عبادك الذي قلت عنهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) الحجر: ٤٢

تسلط الشيطان على العبيد بالأحزان:

عبدالله. لايزال الشيطان مُعلنًا حربه على الإنسان منذ أول لحظةٍ من ولادته، وأولُ شيء يتسلط به عليه هو أن يُبَكّيَهُ ويُصَرِّخَهُ كما قال : "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا مِن مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها"([1])، قال القرطبي: "هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط"([2]).

ولذا "لا شيءَ أحبُّ إلى الشيطان من حزن المؤمن"([3])، قال تعالى: ( إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) المجادلة: ١٠

معنى الحزن:

والحزن انخلاع السرور، ولبسُ ثوب الكآبة، لأجل أمر فائت، أو عدم حصول أمر لا يمكن نوالُه.

الحزن الدائم علامة ضعف وهوان:

 والحزن الدائم علامةٌ على قلة اليقين، وضعفِ العلم؛  لأن فيه نسيانَ النعمِ المتكاثرة، والبقاءَ على طبعٍ غير مستقيم؛ لأن من عرف الله حق معرفته أُعطيَ نورًا يزيل كل ظلمة، وقُذف في قلبه سرورٌ يَطَّرِح كلَّ غُمّة.

 فبالله فافرح، وبذكراه فتلذذ، وبمعرفته فافتخر.

كيف أمرك القرآن أن تتعامل مع الأحزان:

يا عبدالله. لما كان الحزن خارجًا عن طريق السائرين إلى ربهم لم يُثنِ القرآن على الحزن في موضع، ولم يأمر به في آية، بل نهى عن الحزن في مواضع وآيات:

فقال الله لنبيه ﷺ (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) النمل: ٧٠

فامتثل النبي الكريم هذه الوصية فبثها للصديق وهما في الغار (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ) التوبة: ٤٠

وأمر الله هذه الأمة جمعاء فقال-تبارك وتعالى: ( وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا) آل عمران: ١٣٩

فالحزن رزية من الرزايا، وبلية من البلايا، ووجوده في الدنيا كدَرٌ وتنغيصٌ، ولهذا يَحمدُ أهلُ الجنة ربَّهم أن خلصهم من أحزان الدنيا القاتمة، وقشع عنهم هموم الحياة البالية فيقولون يوم وطئت أقدامُهم الجنة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) فاطر: ٣٤.

من أدعية المصطفى تعوذه من الأحزان:

وكان من جملة أدعيته الجامعة -فصيحةِ الكَلِم، مختصرةِ المقال-أنْ تعوذ بالله من الأحزان.

قال أنس -خادمُ رسول -: كان لِرسول الله دعواتٌ لا يدعهن، أسمع النبي كثيرًا يقولها: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، والعَجْز والكَسَل، والبخل والجُبْن، وضلع الدين، وغلبة الرجال"([4]).

فاستعاذ النبيمن القرينين: الهم، والحزن.

فإن كان على أمر مضى فهو الحزن، وإن كان على أمر سيأتي فهو الهم. نعوذ بالله من الهموم والأحزان.

أعظم داعٍ للحزن:

إن من أعظم دواعي الأحزان، وقلقِ القلوب هي بعدُها عن دين علام الغيوب.

وانظر كيف اضطرابُ النفس، وكآبةُ الروح وهي لا تعرف للصلاة طريقًا، ولا للذكر منهجًا، ولا للصلة دربًا، ولا للمخاطبة آدابًا، إن فقدان هذه الأمور لَهُوَ ضائقةُ العيش، واصطكاكُ القلوب عن السعة، قال تبارك وتعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ) طه: ١٢٤.

أتدري ما العيشة الظَّنْك؟ هي العيشة الضيقة، ولو كان في أوسع دار، هي الشقاء في الدنيا وإن بَدّد ألوفَ الأموال.

ولذا لا أسعدَ نفسًا، ولا أنقى روحًا، ولا أفسحَ قلبًا ممن أخذ بقول الحق(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) الرعد: ٢٨ – ٢٩.

"فمن حصّل اللهَ له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأَي شيء يفرح؟"([5]).

فاطمئنوا نفسًا بذكر الله، وأكثروا لَهَجًا باستغفار الله، فإن الله قال في محكم تنزيله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) الأحزاب: ٣٥

الخطبة الثانية:

الحمد لله...

كيف التخلص من الأحزان:

عبدالله. لما كان الحزن ضَغْطةً تُضعِفُ القلب، ومركبًا يوهن العزم، وغشاوةً تكسر الإرادة والهمة، لما كان الحزن مرضًا يكبل المرء عن النهوض، ويقيد الجوارح عن التشمير، كان لزامًا على من اتصف بصفة الأبرار أن ينخلع من أحزانه، ويشمر في المسير، ولا ينظر لخطرات الوراء، ولا إلى توقعات التشاؤم، بل يمضي مستعينًا بالله، فَرِحًا بالإيمان الذي كسى قلبَه، واليقين الذي حَلَّى فؤاده.

إلْزمْ قوافل السعداء:

فالمشمر هو في قافلة السعداء، يسير معهم حتى يصل، ومن تخلف عن هذه القافلة لحزنه، وأخذ يندب حظه وواقعَه فلن يجد نفسه إلا في صحراء القَحْط، وجفاف المسير، وستبتعد عنه كلُّ قوافل المشمرين، إلا إنْ انتبه لنفسه، وتخلّص من الركون إلى الأحزان بالاستعانة بالله، ودعائه، والانطراح بين يديه.

التقنية الحديثة وما آلت إليه من تسبب الأحزان:

ومما استجد من مسببات الأحزان في واقعنا المعاصر ما بثته مواقع التواصل الاجتماعي من نشر التفاخر بالمال، والتكابر بالأثاث والمتاع، والتكاثر بالزينة والبهارج، والغرور بما عند المرء من المواهب والعطايا، من مشاهير أو مغامير ما أحسنوا النشر، ولا حافظوا على خصوصيات أنفسهم، بل صورا كل تفصيل من حياتهم الباذخة، أو المتصنعة، ولربما نشروا ما نشروا وقلوبهم أحزن من واقعِهم، وواقعُهم وإن تظاهر بالفرح ففي أكبادهم غصصٌ من الأحزان أوعدمِ ارتياح.

فهؤلاء إياك وإياهم، فإنهم يكسرون القلوب، ويجلبون الأحزان، و يُضعفون الإيمان، ويقللون الشكر، وقد قال الحبيب:

"انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ"([6]).

وفي رواية البخاري:

"إِذا نَظَر أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عليهِ في المالِ وَالخَلْقِ فلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهُ"

ربنا هب لنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا، وارزقنا سوابغ نعمِك، وقدّر لنا شكرَها وحمدَها، وأعذنا من نزغات الشيطان، وباعد عنا أحزاننا وهمومنا، واغسلها عنا غسلاً يُنقي قَشِيبَ حياتنا.

 

كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد

 


(1) متفق عليه.

(2) نقله عنه في فتح الباري، باب قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) مريم: ١٦

(3) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص:279)

(1) رواه البخاري. وقول أنس:" كان لرسول الله دعوات لا يدعهن" عند النسائي.

(3) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص:280)

(1) متفق عليه واللفظ لمسلم.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة