بسم الله الرحمن الرحيم
27/10/1441
من مقاليد النجاة (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا)
الحمد لله...
منزلةٌ من أعلى منازل العبودية، ومرتبةٌ لا تكون إلا باليقين، وعظيمِ الرجاء، هي "خلاصةُ التفريد، ونهايةُ تحقيق التوحيد"([1]) فمتى ما حلّ العبدُ بهذه المنزلة كفاه الله كلَّ شيء، وخاف منه كلُّ شيء، ولم يخف هو من شيء، إلا من الله (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا) النساء: ١٢٦، هذه المنزلة هي منزلة التوكل على الله، لأن التوكل على الله هو الكفايةُ والحُسبان (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) الطلاق: ٣.
معنى التوكل على الله:
والتوكل على الله "حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناس"([2]).
تعظيم الله لا تعظيم الأسباب:
فمهما جمع العبد من مالٍ وأوعى، وقدّر في عقله من حِيَلٍ وأسباب وأدهى، ومهما ملك من القوة البدنية ما ملك، وأهلك من العمر والسنين ما أهلك، وحاز من أسباب الفلاح والنجاح ما يخوله للوصول لأطماعه، ويحقق ما يريد من طموحه وإبداعه، إلا أن توافر كلِّ هذه الأسباب ليست بشيء إذا لم يُرِد الله، وليست إلا هباءً إذا لم يُقدِّر الله.
ولن يستطيع العبد أن يحرك ما أراد الله تسكينه، ولا أن يُسَكّن ما أراد الله تحريكه، كيف للعبد ذلك؟! (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) الأنعام: ١٣.
ولن يستطيع العبد إمراضَ من أراد الله عافيته، ولا مداواةَ من أراد الله بلاءَه وامتحانَه، ولو جمع العبد من عليها مِن حُذَّاقها وصُنَّاعها إلا أن يأذن الله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) هود: ١٠٧ ، فلا ملجأ من الله إلا إليه، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الذاريات: ٥٠، فإنه من لم يتوكل على الله فقلبُه في عداد الأموات الذي لا تأثير له، وفؤادُه في عداد العَدَم الذي لا وجود له.
مقاليد النجاة:
فيا عبد الله. لن تفر إلى الله حق الفرار، حتى تعلم علم اليقين أن الله (لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الزمر: ٦٣، وأن الله (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الشورى: ١٢، وأن الله (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ) الأنعام: ٩٥، وأنه لو شاء لأنجى عبيده من مظان الموت، وأسباب الردى، كما أنجى يونس من بطن الحوت، في ظلمات البحار، وقيعان المحيطات بعد إذ نادى (أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) الأنبياء: ٨٧ ، وأنه لو شاء لجعل النجاة لك ولو كنت في بطن الصخرة، كما أنجى أهل الغار لما أطبقت عليهم صخرة عظيمة في تجويف جبل، فَدَعَوا الله بصالح أعمالهم([3])، فنجاهم الله (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، وتذكر أن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، أتدري من هم؟ بيَّن ﷺ في جامع صفاتهم أنهم "على ربهم يتوكلون"([4])
خشبة تعبر البحر:
ومن عجائب الأخبار، ولطيف النوادر والآثار، هذه القصةُ الأعجوبة، والتي تحكي خبيئةَ آثارِ مَن توكل على الله، ومَن عَظُم يقينه بمولاه، ورجاؤه عليه فيما أمله وابتغاه، فقد أخبر النبي ﷺ:
أن رجلاً من بني إسرائيل، اقترض ألف دينار، فقال المُقرض: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال الإسرائيلي: كفى بالله شهيدًا، فقال المُقرض: فأتني بالكفيل، فقال الإسرائيلي: كفى بالله كفيلا، قال المُقرض: صدقت، فدفع إليه المال إلى أجل مسمى، فلما جاء الأجل وحلَّ سداد الدين، خرج الإسرائيلي إلى ساحل البحر، والتمس مركبًا حتى يوصل المال لصاحبه، فلم يجد، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها صحيفة ورسالة، ومعها ألف دينار، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أَسْتَودِعُكَها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل الإسرائيلي جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، ولم يعلم أن بها ماله الذي أقرضه، فلما نشر الخشبة وجد المال والصحيفة. ثم بعد زمن قدم إليه الإسرائيلي ومعه الألف دينار، فقال الإسرائيلي-وهو لا يعلن أن خشبته قد أوصلها الله-: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا، فقال المُقرض: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ فقال الإسرائيلي: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدًا([5]).
فيا سبحان الله، أنْ يقف عبدٌ صادقُ التوكل أمام البحر، فيلقي برسالة فيها مال، فتعبر لججَ البحر وأمواجَه، حتى تصل إلى منتهاها، كل ذلك في خشبة مزججة، لا ساعي لبريدها، ولا ناقل لأمانتها، إنما كانت برعاية الله، كما جرت سفينة نوح إذ قال الله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) القمر: ١٤ إنه حقيقة التوكل، والذي قام على صدق اللَّجَأ إلى الله، وعظيم اليقين بما عنده.
قال ابن القيم: "ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله"([6])
أقول ما تسمعون وأستغفر الله...
الخطبة الثانية:
الأخذ بالأسباب من التوكل على الله:
الحمد لله...
عبد الله. إن من ضعف الإيمان، وقلة البصيرة أن يُهمل العبدُ فعلَ السبب، فإن الأخذ بالأسباب من طرق المتوكلين، ومن سمت المؤمنين، وقد قدّم الله فعل السبب على التوكل عليه فقال : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) الطلاق: ٢، ثم ثنّى بتوكل العبد عليه فقال: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) لطلاق: ٣، فالموحدون "يباشرون الأسباب، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه حتى الحيوان البهيم"([7]).
انظر إلى قلب الطير، وكيف انعقد قلبُه بفعل السبب، وربط فؤادَه بالتوكل على خالقه، حتى صار أحسن حالاً من المتواكلين، وألطف مآلاً من الغافلين، قال ﷺ:
" لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطيرَ: تغدوا خماصًا وتروح بطانًا"([8]).
عبد الله.
امش في هذه الحياة وأَمُلُك واسع بالله (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران: ١٥٩.
عبد الله.
إن الله يَذْكرُك كلما ذكرتَه، ويغفرُ لك متى دعوته (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) هود: ١٢٣.
عبد الله.
إياك أن تعلق كلّ رجائك بالناس، وتنسى ربَّ الناس، الذي قهرهم، وأذل رقابهم، فكن متمسكًا بوعد الله، فإن الناس يموتون (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) الفرقان: ٥٨.
عبد الله. ونحن في هذه الجائحة الصحية العالمية([9]) عظم تعلق كثير من الناس بالأسباب، وقل تعلقهم بالله، ونسي كثير من الخلق أن خالق الأسباب هو الله، وأنه كما أحياه وجعله وباءً، هو قادرٌ أن يميتَه ويجعله نسيًا منسيًا.
فكم من صحيح مات من غير علة
وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر([10])
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
(1) تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبدالله (1/84) .
(1) مدارج السالكين، لابن القيم (1/103) بتصرف .
(1) متفق عليه .
(2) متفق عليه .
(1) والقصة في صحيح البخاري .
(1) مدارج السالكين (1/103) .
(1) تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبدالله (1/84) بتصرف يسير .
(1) رواه الترمذي وحسنه.
(1) المسماة بـفيروس كورونا-كوفيد-19.
(1) ديوان الشافعي