بسم الله الرحمن الرحيم
2/1/1442
انحياز غير متوقع وحدث جلل([1]).
"سقيفة بني ساعدة"
الحمد لله...
هنالك مواقف من التاريخ نقشها التاريخ على جبين الصمود، قَلَبَت الأحداث رأسًا على عقب، ولولا صمود الرجال الذين أنطقهم الله بالحق وإلا لكان لصياغة التاريخ لونٌ آخر ومجرياتٌ، وطيف بعيد وتقلباتٌ، الله أعلم إلى أي شيء تؤول، ومن ذلك موقف لن ينساه التاريخ، نبدأه بالنهاية، والبداية هي نهاية حياة الرسول الأكرم ﷺ.
البداية، من حيث النهاية:
لما مات رسول الله ﷺ، والمنافقون يتربصون الخلل في تلك اللحظة، وينتظرون الفرصة السانحة لزعزعة الأمور، قام عمر-رضي الله عنه- وهو يقول: "والله ما مات رسول الله ﷺ".
"ووقوع الحلف من عمر بناء على ظنه الذي أداه إليه اجتهادُه"([2])، فحلف عمر وما كان يقع في نفسه إلا أنه ﷺ لم يمت، لأجل قوة الخطب، وعظيم الأمر الجلل، فاستبعد عقلُ عمر وقتها وقوعَ ذلك، بل إن عمر-رضي الله عنه- قال عن النبي ﷺ:"وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلَهم".
ويُؤخذ من ذلك أن العقول قد ينقص تصورُها وقت الفتن، حتى ولو كان عمر-رضي الله عنه-، فكيف بغيره، وأنه ينبغي لكل أحد أن يتهم رأيه، ولا يعجل حال انتقاص العقول.
موقف أبي بكر الذي أبان كبد الحقيقة:
كان أبو بكر-رضي الله عنه-وقتها في عالية المدينة على بعد ميل من الأحداث، فأول شيء فعله هو النظر في عين اليقين، والتثبت من الخبر، فلما وصل أبوبكر المسجد جنّب أبو بكر عمرَ وحديثَه، وذهب إلى غرفة عائشة فكشف عن رسول الله ﷺ فقبَّله، وقال: "بأبي أنت وأمي، طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا".
"وفيه بيان رجحان علم أبي بكر على عمر فمن دونه، وكذلك رجحانه عليهم لثباته في مثل ذلك الأمر العظيم"([3])
ثم خرج أبو بكر-رضي الله عنه-فقال: أيها الحالف على رسلك-يقصد عمر الذي قال: "والله ما مات رسول الله ﷺ".
فلما تكلم أبو بكر مال الناس إليه وتركوا عمر، فحمد اللهَ أبو بكر وأثنى عليه، وقال: "ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) الزمر: ٣٠ وقال: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران: ١٤٤. فَنَشَجَ الناس يبكون، بصوت معه ترجيع، كما يردد الصبي بكاءه في صدره.
في خطبة عمر خير، كما في خطبة أبي بكر:
ومع ذلك فإن موقف عمر-رضي الله عنه-لم يخلُ من فائدة، فإنه قد خوَّف المنافقين، حيث قال: "وليبعثن الله رسوله ﷺ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم"، فكان هذا الكلام كافلاً بأن يقمع من في نفسه شرٌّ، قالت عائشة-رضي الله عنها-في بيان ما استفاده الناس من خطبة الشيخين أبي بكر وعمر:"فما كانت من خطبتهما من خطبةٍ إلا نفع الله بها، لقد خوّف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقًا فردّهم الله بذلك، ثم لقد بصّر أبو بكر الناس الهدى، وعرّفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به، يتلون ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ) آل عمران: ١٤٤
انحياز غير متوقع، وحدث جلل:
وبينما أبوبكر وعمر في منزل رسول الله ﷺ إذا رجلٌ ينادي من وراء الجدار: "أنْ اخرج إليَّ يا بن الخطاب" فقال عمر: "إليك عني فإنا عنك مشاغيل" يعني بأمر رسول الله ﷺ، وتغسيله ودفنه.
فقال الرجل له: "إنه قد حدث أمر، فإن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فأدركوهم قبل أن يحُدثوا أمرًا يكون فيه حرب"
فقال عمر لأبي بكر: انطلق.
الشيخان-رضي الله عنهما-في سقيفة بني ساعدة:
فلما حضر الشيخان أبوبكر وعمر إلى السقيفة، ومعهما أبو عبيدة بن الجراح-رضي الله عنهم أجمعين-وجدوا الأنصار اجتمعت إلى رجل مُزَّمل، والرجل المزمل هو: سعد بن عبادة-كبير الخزرج-رضي الله عنه، ويريد الأنصارُ عقدَ الإمامة له، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: "والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلامًا قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر".
ثم تكلم أبو بكر-رضي الله عنه-فتكلم أبلغَ الناس، قال عمر-رضي الله عنه-: "والله ما ترك أبوبكر كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سَكَت".
أبوبكر يطفئ الفتنة:
وكانت الأنصار تريد عقد الإمامة لسعد بن عبادة-رضي الله عنه-، فقال أبو بكر: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"، وكلام أبي بكر حق، فإن المهاجرين أفضلُ من الأنصار، ويبدأ الله بهم في كتابه قبل الأنصار: (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ) التوبة: ١١٧، قال ابن تيمية في بيان معتقد أهل السنة: "ويقدمون المهاجرين على الأنصار"([4]).
فلما قال أبو بكر: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"، قال حباب بن المنذر-رضي الله عنه- وكان من الأنصار: "لا. والله لا نفعل، منا أمير، ومنكم أمير".
"وقالوا ذلك بناء على عادة العرب إذ لا يسود القبيلة إلا رجل منها، قبل أن يعلموا أن حكم الإسلام ليس كذلك"([5]).
فهم أولاً أرادوا الانفراد بالإمامة، ثم أرادوا المشاركة فيها على أقلِّ تقدير.
فقال العالمُ الصاحبُ الصديقُ أبو بكر: "لا. ولكنّا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا"، "أي: قريش أشرف الناس مسكنًا وهو مكة، وأكثر العرب أصالة وأشبههم بشمائل العرب وأفعالهم"([6]).
إتمام البيعة، وصياغة تاريخ الخلافة الراشدة:
فقال أبو بكر: "فبايعُوا عمر، أو أبا عبيدة بن الجراح".
فقال عمر: "بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ"، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس.
فصاغ أبوبكر تاريخ الخلافة الراشدة بعلم وحلم، فاللهم ارض عن صحابتك والتابعين، ومن تبعهم وترضى عنهم يا رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أثر العالم على الناس، وتواضع المتعلم للحق:
وفي موقف أبي بكر يتبن أثرُ العالم على الناس: في حلمه، وتثبته، وقوة منزعه من الكتاب والسنة، فإن أبا بكر لما بيّن في سقيفة ساعدة أن الإمامة لا تكون إلا في قريش، واحتج بقوله ﷺ:"الأئمة من قريش"([7])، التزم الناس السُّنة والدليل، وهذا في حال اختيار الخليفة أما لو تغلب الحاكم على الأمر وحَكَم الناس بالقوة وجب على الناس طاعته، وحَرُم الخروج عليه ولو كان عبدًا حبشيًا كما جاء في الحديث .
وفيه: ما عليه الصحابة من قبول الحق متى ما تبين لهم، ومدى تواضعهم للنص الشرعي وإن خالف رغباتهم وشهواتهم، فإن سعد بن عبادة-رضي الله عنه-والذي كان الأنصار يريدون له عقد الإمامة قال لأبي بكر: "صدقت منكم الأمراء ومنا الوزراء" وبايع أبابكر كما بايع الناس.
أحق الناس بالخلافة بعد الرسول ﷺ:
وفيه أن أحق الناس بالخلافة بعد الرسول ﷺ هو أبو بكر، وذلك بأصول كلية وقرائن حالية تقتضي أنه أحق بالإمامة وأولى بالخلافة، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «كنا نُخيِّر بين الناس في زمن النبي ﷺ فنُخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم».
وروى البخاري أن امرأة قالت: يا رسول الله. أرأيتَ إن جئتُ ولم أجدك؟ كأنها تقول: الموت، قال ﷺ: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر».
فاللهم صل على محمد، وعلى آله، وأصحابه، اللهم ألحقنا في زمرتهم، وجعلنا على سنتهم، واحشرنا معهم، اللهم فقهنا في دينك، وسددنا في طريق الحق، اللهم أمتنا على الإسلام والسنة.
كتبه: عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(2) الأحداث والوقائع من صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلاً»، ورقم (3667)
(1) فتح الباري (7/30)
(1) فتح الباري (7/30)
(1) العقيدة الواسطية ( ص:85 )
(1) تعليق مصطفى البغا على البخاري (5/6)، بتصرف يسير
(2) المصدر السابق.
(2) رواه أحمد والنسائي، قال المنذري:"إسناده جيد"، وجود إسناده الهيتمي والشوكاني.