مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:16:14

نار الدنيا ووقفات مع حرائق لوس أنجلس

بسم الله الرحمن الرحيم

تَفكُّرٌ في نار الدنيا

ووقفاتٌ مع حرائق لوس أنجلس

17 / 7 / 1446هـ

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمدِ بن عبد الله الصادقِ الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

خَلقٌ أقوى من الحديد، لا يَستغني عنه الإنسانُ ولا يَحيد، جعله الله مخزونًا في الأجسام، متى ما أراد أن يُظهِره أظهره، ومتى ما أراد أن يُغَيّبه غيَّبه، حبس الله هذا المخلوق في الحطب والشجر، ولو خرج من دون قيد لأكل من عليها، وأباد خضراءها والحجر، إنها النار.

تذكرةٌ ومتاع!

قال الله تعالى عنها: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) الواقعة: ٧٣، فالنار جعلها الله موعظة ليتعظ بها المؤمن، فيتذكر بها النارَ الكبرى، وجعلها الله (متاعًا للمُقْوِين) ، ما معنى المقوين؟ المُقْوي هو الفقير والغني([1])، والمسافر والحاضر، فالنار يستمتع بها الناس أجمعون، يستضيئون بها في الظلمة، ويَصْطَلُون بها من البرد، وينتفعون منها في الطَبخ والخَبْز.

وللنار أنواع وتقاسيم.

والنار التي خلقها الله أنواع، وفي وجودها تقاسيم:

منها: ناركم التي تنتفعون، فهي إشراق وإحراق. إشراق: أي: نور يستضيء بها الناس، وإحراق: أي: يُحرِقون بها ما شاؤوا، ويُنضِجُون من الأكل ما أرادوا.

ومنها: نار الآخرة، والتي إحراق بلا إشراق، بل هي سوداء مُظلمة، جحيم مُحرقة، لا تُضيء على أهلها، ولَهِيَ أشدُّ سوادًا من القَطِرَان، قال : "أُوقِد على النَّارِ ألف سنةٍ حتَّى احمرَّت، ثمَّ أُوقِد عليها ألف سنةٍ حتَّى ابيضَّت، ثمَّ أُوقِد عليها ألف سنةٍ حتَّى اسودَّت، فهي سوداءُ كاللَّيلِ المُظلِمِ"([2]).

ومن أنواع النار: نار لها إشراق بلا أحراق، نور بلا أذى، وهي النار التي كلم اللهُ فيها موسى، والتي قال موسى لأهله عنها لما رآها من بعيد: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) القصص: ٢٩  وهي نار صافية، وهي حجاب الله الذي قال عنه النبي : "حِجَابُهُ النُّورُ" وَفِي رِوَايَةِ: "النَّارُ" "لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ"([3]). أي: حجاب الله النار والنور، لو كشف الله هذا الحجاب لأحرق بهاؤُه وعظمةُ نورِه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه، وبصرُه ينتهي إلى كل شيء، يعني لأحرق هذا النور والنار كلَّ شيء في الوجود([4]).

هل أمات تعليلُ الكوارث الطبيعية قلوبَنا؟

ومع التقدم العلمي، ونموِ الحضارات، واكتشافِ الأسباب المؤدية للحوادث البيئيةِ والكوارثِ الطبيعية أصاب القلوبَ جمودٌ عن تقليب النظر في آيات الله، ودخل القلوبَ برودٌ في أن تُحرَّك خوفًا من الله، وأصبح الفكر مقيدًا بالنظر في الأسباب المادية، دون النظر إلى الرسائل الإلهية التي تضمنت هذه النكبات والمصارع، حتى نبتت نابتةُ الملاحدة وزعموا أنه لا إله، وأنه لا غضب يصدر من الإله، وأن كلَّ ما تراه عيناك هو (غضب الطبيعة)، وقد أُعمِيت قلوبُهم، وخابت نفوسُهم؛ لأن كل نقصٍ في المعايش، وتفاقمٍ في الآفات، وحلولٍ للكوارث عائد إلى قاعدة إلهيةٍ عظيمة وضعها قول الحق سبحانه: (ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) الأنفال: ٥١  ألم يقل الله تعالى في كتابه الحكيم: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) الإسراء: ٥٩، قال قتادة: "إن الله يخوّف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكَّرون، أو يرجعون، ذُكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يأيها الناس إن ربكم يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ"([5]).

وجود الخَبَث سببٌ للكوارث وإن وجد الصالحون.

وإذا انتشر الفساد بين الناس، وسكت من بينهم الصالحون جاءت الكوارث عامةً شاملةً، تأكل الأخضر واليابس، دخل  على زينب بنت جحش يومًا فزعًا يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب؛ فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها-"، قالت زينب: فقلت: يا رسول الله! أنهلِك وفينا الصالحون؟! قال: "نعم إذا كَثُر الخبث"([6])، قال أبو الوليد الباجي: "فهذا مع الصالحين فكيف مع قلتهم أو مع عدمهم"([7])؛ ولذا قال سبحانه وتعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الأنفال: ٢ ، فأما عقاب الله تعالى إذا أتى فيعمُّ المسيءَ، وينالُ المُحسن، وقد أغرق الله أُمَّة نوح كلَّها -وفيهم الأطفال والبهائم- بذنوب البالغين، وأهلك قومَ عاد بالريح العقيم، وصكَّ قوم ثمود بالصاعقة الهشيم، ورمى قوم لوط بالحجارة السِّجِّيل، قال أنس: "إن الضب في جحره ليموت هُزْلًا بذنب ابن آدم"، قال ابن قتيبة: "وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الأخبار، فكم من بلد فيه الصالحون والأبرار، والأطفال والصغار، أصابته الرجفة، فهلك به البر والفاجر، والمسيء والمحسن، والطفل والكبير"([8]).

فاستعيذوا بالله من غضب الجبار المنتقم، وسلوه العفو والعافية، والمعافاة الدائمة من كوارث الدنيا وخزي الآخرة.

 

 

الخطبة الثانية: الحمد لله.

حرائق أشبهُ بنهاية الأرض!

إن ما حصل ويحصل حتى الآن في لوس أنجلس من حرائق هائجة، ورياحَ قوية مائجة، توقد النيران، وتنشر اللظى، وتُدمّر ولا تُعمِّر، لهي آيةٌ مبهرة، وقارعةٌ مزلزلة، وكلُّ من لم ير في ذلك الخبرِ العبرةَ والأثرَ فلم يعلم ما سُنَّة الله في القرون الخالية، ولم يُبصِر ما حوى التاريخ من حوادث الأمم البائدة، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الأحزاب: ٦٢.

فلم يغن عن القوم تقدُّمهم التقني، ولا تطورهم في الرصد والتعقب الفنِّي، فالنيران تدفعها الريح، والريح يتخالجه الإعصار، حتى غدت المناظرُ أشبهَ شيءٍ بنهاية الأرض، وإبادة البَر، والأغربُ من ذلك أن الفصل هو فصل الشتاء والبرد، وأن المدينة هي مدينة الساحل والبحر، إلا أن الحرائق منقادةٌ وهاجة.

عباد الله. إن قوة عدل الله لا يضاهيها عدل، وانتقام الله ذو مِحَالٍ إذا حلّ، يُقصف الأبرياء، ويُباد الأطفال، وتُجرَّف الأرض جرفًا، وتُقلب رأسًا على الأعقاب قلبًا، يقابل ذلك مدينةٌ يُضرب بها المثل في الترف والقوة والغنى، غدا رَمْسُها ركامًا بعد عمار، بجند واحد من جنود الله، إنها عدالة الله في سمائه وأرضه، كما تَحرِقُ تُحرَق، وكما تَدين تُدان، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) مريم: ٦٤ ، فالجبروت في ميزان الله لا يُنسى، والطغيان لا يُترك، والإباحية والمثلية الغربية  بعقاب لا تَمر.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) المقوي من ألفاظ الأضداد التي يراد بها المحتاج والمغتني. وهو قول عكرمة ومجاهد.

(1) رواه الترمذي وابن ماجه بألفاظ متقاربه، وصححه المنذري.

(1) رواه مسلم.

(1) انظر: الصواعق المرسلة (1/424)، والبحر المحيط الثجاج (5/89).

(1) تفسير ابن جرير، سورة الإسراء:59.

(1) متفق عليه.

(2) المنتقى شرح الموطأ (5/109).

(2) تأويل مشكل الحديث، لابن قتيبة.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة