بسم الله الرحمن الرحيم
قواعد
في الإعذار وقبول الاعتذار
7 / 5 / 1444هـ
الحمد لله المتصفِ بالعفو والصفح، أكرَمَ عبادَه بالعقل والفهم والفتح، ونهاهم وزجرهم عن السباب وسيءِ القدح، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في التعبد والنحر والذبح، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه باذخَ الصرح، عظيمَ المقام والصدح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي المكارم والمدح، ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم بليل أو صبح، أما بعد:
صفةٌ كريمة، وخلقٌ نبيل، ومقامٌ مُعَلَّا، يدل على اتساع مدارك عقل صاحبه، وطهارةِ قلبه، وحسنِ نيته، وجميلِ أَوْبَتِه، وصفاءِ روحه.
هذه الصفة هي الشجاعةُ بحدِّ ذاتها، والقدرةُ على المواجهةِ، وكسرِ شموخ النفس، إنها صفة الاعتذار، والذي هو إظهارُ العذر، وطلبُ العفو، وإبداءُ الندم، والرغبةُ في ترك استقبال الملامة والعتاب، و إظهارِ لطافة الاستسماح بأندى كلام، وأحلى خطاب.
الاعتراف يهدم الاقتراف.
إن الناس في هذه الحياة لا يَفْتكُّون عن الخُلطة والمعاشرة، يتعاملون فيما بينهم، وربما نَاوَشَ ذلك سوءُ الفهم، أو الخطؤُ غيرُ المقصود في المعاملة، وهذه طبيعة البشر، هنا...وعند حصول الخطأ فإن شيمَ الكبار، وأخلاقَ أربابِ العقول المعتدلة، يبادرون إخوانهم بالاعتذار عن الخطأ، وإجلاءِ الموقف وإيضاحِه، فإن الاعتذار يمسح ويمحو ما فات من خطأ، وكما قيل: "الاعتراف يهدم الاقتراف"([1])، فمن اعتذر واعترف فقد رُفِعَت عنه الملامة.
ولا ينبغي تأخير الاعتذار عن زمانه، فإنه كلما تأخر المعتذر عن الاعتذار كلما استثقلت النفوس قبولَ عُذرِه، وكلما كان الاعتذار باكرًا كلما وقع على نفسٍ نقية تقبل الاعتذار وتُشيد به.
لا تعتذر مما لم تفعل.
وإذا اعتذر المعتذر فلْيعتذر عن شيء بَدَرَ منه، ولا يعتذر عن شيء لم يفعله ولم يقْترِفْه، فالمعتذر من غير ذنبٍ يوجب على نفسِه الذنب، ويوجب التهمةَ للإنسان من شيء هو منه بريء.
كما أنك إذا اعتذرت فلا تبالغ في الاعتذار من غير حاجة، وإنما ألبس لكلِّ حالةٍ لَبُوسَها، وقد قيل: "الإغراقُ في العذر يحقق التهمة، كما أن الإفراط في النصيحة يوجب الظِّنّة"([2]).
متى يكون ترك الاعتذار أولى.
ثم لِيَعْلَم المعتذر أن هنالك حالاتٍ لا يُنْصَح فيها بتقديم الاعتذار، وذلك إذا كان سيأتي بعذر قبيح، وكم من عذر أقبحُ من ذنب، وكم رجل عذرُه أشدُّ من جرمه.
إذا لم يكن للعذر وجهٌ مُبِين
فإنَّ اطِّراح العذر خيرٌ من العذرِ
ولما جاء المنافقون بأعذار واهية، وأباطيل زائفة قال الله عنهم: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا) التوبة: ٩٤، فالله أمرهم بأن لا يعتذروا؛ لأن أعمالهم تُخْبرك عن اعتذارٍ أجوف، ولذا قال الله: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) التوبة: ١٠٥ لأن العمل هو ميزان الصدق من الكذب.
قبول الأعذار من شيم الكبار.
فإذا جاءك أخوك معتذرًا فإن من جميل الردِّ قَبولَ العذر منه، وتركَ كثرةِ الملامة والعتاب عليه، وتثبيتَ الرد بحكمة الصبر على الأصحاب، فإن الله أمر نبيه ﷺ فقال: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) المعارج: ٥.
إذا اعتذر الصّديق إليك يومًا من التقصير عذرَ أخٍ مُقرِّ
فَصُنْهُ عن عتابك واعفُ عنه فإن الصفحَ شيمةُ كُلِّ حُرّ
قال الحسن بن علي: "لو أن رجلا شتمني في أذني هذه واعتذر إلي في أذني الأخرى لَقَبِلت عُذرَه"([3])، وإن من كريم الخصال أنْ تلقى أخاك المعتذر بجمال البِشْر، ورونق البشاشة، وعريض الابتسامة، فإنه قد تحامل على نفسه، وضغط على هواه، وكسر كبرياءه، حتى يأتي إليك معتذرًا، لأن الاعتذار شاقٌ على كثير من النفوس، فإذا جاء صاحبك معتذرًا فأعنه على نفسه، وكن كما عفى الكريم ﷺ عمن آذاه، وقَتَلَ عمَّه وأصحابه، ولسانُ حالِه ﷺ وهو يقول لقريش: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يوسف: ٩٢([4])، قال عمرو بن العاص:" أعقل الناس أعذرهم لهم"([5]).
لعل له عذر وأنت تلوم.
والإكثار من العتاب داعيةٌ إلى المِلال، والكَيِّس العاقل، هو الفطن المتغافل، والذي لا يُحصي زلاتِ إخوانه، ولا يَحْمِل مكنونَ الحقد عليهم، بل يُقدِّم الكرم، ويَبذُل الوفاء، ويَقْبَل منهم ما بدرت به نفوسُهم وإن كان قليلاً (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) الأعراف: ١٩٩، ولْيُعْلَم أن الكمال عزيز، وأنه لا حليم إلا وله عثرة، كما أن لكل جوادٍ كبوة.
فلا ينبغي للكريم العاقل أن يتسرع في لوم المعتذر، وأن يبدي الملامة، فلعل لصاحبه عذرًا ما استطاع أن يبديَه لأمرٍ ما، أو له عذرًا ما أطلعك عليه، والله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) الحجرات: ١٢، والعرب تقول: "رُبَّ سامعٍ بخبري لم يسمع عُذري"([6])، وهذا كثيرٌ جدًا في الناس، وكيف أنهم يتسرعون في الملامة، ويخوضون في التهمة، ويُجرِّحون الأعراض، وهم لم يستثبتوا حقيقة الأمر، فكم من شخص كبَّ الناس عليه اللومَ لأنهم لم يسمعوا عذره، وهو معذور عند الله وعند العقلاء من الناس؛ فلذا ترى القاضيَ العادل لا يسمع شكاية أحد إلا وخصمُه معه، لكي لا يَسبِق إلى قلبه تصورٌ أوَّليٌ خاطئ قبل أن يسمع من الآخر عذرَه، فكم من مَلومٍ لا ذنب له، وقد قالوا: للقائل على السامع ثلاث: "جمع البال، والكتمان، وبسط العذر"([7]).
فاللهم اشرح صدورنا لإخواننا، وأبعد عنا الملامة والإعذار، واجعلنا من خير من نصح الخلق، وقال الحق، أقول ما تسمعون... .
الخطبة الثانية: الحمد لله...
إياك وما يُعتذر منه.
وإن مِن سَمْتِ العاقل أنه لا يرتكب الخطأ عمدًا بحجة أنه سيقول: سيعذرني الناس، أو سأعتذر للناس، بل العاقل يتجانب بنفسه عن الوقوع في أسباب الملامة، ويبتعد قدر ما أمكنه عن المواطن التي لا يَعْذُره الناس فيها، وقديمًا قيل: "إياك وما يُعتذر منه"، فلا تصنع عملاً يُوقِعك في الحرج، وفي طَلَبِ العذر من الناس، فإن كثيرًا من الناس إنما هم متصيدون للعثرات، شامتون كالأعداء في الغزوات، لا يعْذرون، بل في كل محفل يلومون، خصوصًا وأن العاقل يعلم أن كثرة الاعتذار بسبب كثرة تعمد الخطأ يجعل الإنسان في محل الريبة والتهمة، وقد قيل: "إنَّ المعاذير يشوبها الكذب"([8])، أي: أن من يقع في الاعتذار كثيرًا فقد يحتاج إلى الكذب حتى يدفع عنه الحرج؛ فلذا كان كثرةُ الاعتذار مّظِنةً من مِظِنَّات عدم الصدق، والإنسان إذا طَفِق يعتذر كثيرًا عن الأخطاء الكثيرة شك الناس في مصداقيته، ورحم الله امرءًا كف الغيبة عن نفسه، ودائمًا تذكر: "إياك وما يُعتذر منه".
وممكن أن يقال في تطواف مختصر سريع لما مر، هاك قواعد في الإعذار والاعتذار:
-تذكر أن الاعتراف يهدم الاقتراف.
- لا تأخر الاعتذار عن زمانه فيثقل قبوله
- لا تعتذر من غير ذنبٍ فتوجب على نفسِك الذنب.
-إذا اعتذرت فلا تبالغ في الاعتذار فتتهم.
- لا تعتذر إذا كان العذر أقبحُ من ذنب وأشدُّ من جرم.
- اقبل اعتذار الآخرين بجمال البِشْر، ورونق البشاشة، وعريض الابتسامة.
- لا تتسرع في لوم أحد فلعل له عذر وانت تلوم وتذكر: ( رُبَّ سامعٍ بخبري لم يسمع عُذري).
-ويجمع ذلك كله القاعدة الأخيرة: إياك وما يُعتذر منه.
فاللهم أحينا حياة هنية، وأمتنا ميتة سوية، وردنا إليك مردًا غير مخز ولا فاضح، ومتعنا متاع الصالحين، وأطل أعمارنا على طاعتك ورضاك يا رب العالمين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) عيون الأخبار، لابن قتيبة (3/113)
([2]) محاضرات الأدباء، للأصفهاني (1/295)
([3]) الآداب الشرعية، لابن مفلح (1/302)
([4]) أثر: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" مرسل، وكذلك تلاوة الآية منه ﷺ في رواية مرسلة، وأصح منه قوله ﷺ: "من دخل مكة فهو آمن" رواه أبو داود بإسناد حسن.
([5]) الآداب الشرعية، لابن مفلح (1/304)
([6]) الأمثال، لابن سلام (ص:62)
([7]) البيان والتبين، للجاحظ (2/28)
([8]) الأمثال، لابن سلام (ص:64)