بسم الله الرحمن الرحيم
كذب الأبناء([1])
11/ 1 / 1444 ç
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
إن من أخص خصائص المؤمن أن يكون نزيه اللسان، فلا يكذب، ولا يُجرَّب عليه الكذب، متمثلاً قول الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [سورة التوبة:119].
وإن من المرارة المُحرِقة، والوجعِ المؤلم أن يتربى الابن على الكذب، مع غفلة الآباء، أو مباركتهم لهذا العمل، أو يكون الآباء لهم الدور في هذه التربية المشينة وهم لا يشعرون! فترى بعض الأطفال أَكْذَبَ مَن دَبَّ ودَرَج.
لا تعجب من أمرٍ أنت سببه!
أمر عجيب أن يحزن الآباء على كذب أبنائهم، مع أن الكذب عند الآباء متكاثر شنيع، نكذب أمامهم ليلاً ونهارًا، ثم نغضب إذا مارسوا نفس العملية، إنه لأمر يدعو إلى الدهشة!.
إن الكذب ليس أمرًا فطريًا لدى الطفل، بل هو خُلُق وراثي وسلوك منقول.
ممارسة الكذب أمام الأبناء.
لماذا يكذب أطفالنا؟ سؤال مطروح واقعي. ربما لم نلاحظ أنفسنا ونحن نتحدث مع أبنائنا ونمرر إليهم الكذبات تِلوَ الكذبات: أمك سافرت؟ الذئب خلف الفناء، سأعطيك لعبة؟ وكل هذه الجمل إنما هي خيالات يُعلِّل بها الآباءُ أبناءَهم ليكفوا عنهم، وطَبْعُ الأبناء يحبون تقليد الكبار، فيتعلموا الكذب منهم بكل بساطة.
خوف الأبناء من ضغط الآباء.
وإن من الأسباب التي تُعوِّد الطفلَ على اكتساب الكذب: خوفَ الأبناء من آبائهم، لأجل أن الآباء يأمرونهم باستمرار، ويلحون عليهم على الدوام، أو يُأمِّلُ الآباءُ على أبنائهم أعمالاً فوق مقدرتهم، فيضطر الأبناء إلى الكذب مخافة اللوم والعتاب: هل فرَّشت أسنانك؟ هل أنهيت تكاليفك المدرسية؟ ولا يعرف الآباء لغة التغافل-أحيانًا-، أو ترك اللوم المُفرِط، مما يحمل الأبناء على الكذب نجاةً من الملامة والعتاب الزائد.
تعليم الأبناء أن الصدق شجاعة.
وإن من أفضل الممارسات السليمة أن يُعلِّم الآباءُ أبناءهم الشجاعةَ في قول الحق، ويعززوا في نفوسهم: أن الصدق منجاة، قل له: يا بني أن تكون صادقًا مخطئًا أحبُّ إلي من أن تكون كاذبًا مُدّعيًا الصواب والمثالية.
قال عمر بن الخطاب: "لأِنْ يَضَعُنِي الصدقُ- وقلَّما يضع- أحبُّ إليَّ من أن يَرفَعَنِيَ الكذبُ، وقلَّما يفعل"([2])
حَدِّثْهُم بأن الجنة للصادقين، وحَبِّبْ إليهم قول النبي ﷺ:"أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا"([3]).
شارك أولادك قول الحقيقة وعلمهم قصص الصادقين، وكيف أن الكذب حبله قصير ووجه قبيح، وأنه ما خَانَ شريفٌ، ولا كَذَب عاقلٌ، ولا اغتاب مؤمنٌ.
أخبرهم أن الكذَّاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك.
لا تمرر كذبات ابنك!
إن الابن إذا كذب الكذبة فلم يُنَبهَّ عليها، ثم كذب الأخرى ولم يُعَاتَب على افترائها، دخل في دوامةٍ من الأكاذيب والمكر والخداع، فلا تُمَرِّر لابنك الكذبة من دون توجيه، ولا ترضى به كاذبًا من غير بيانِ خُطورةِ الكذب، وأن ذلك يقوده إلى الأخلاق الرذيلة، وضح لابنك أن سلسة الكذب أول مراتع الفجور وأن الفجور هو القائد إلى النار، قال ﷺ: "إِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا".
لا تلق اللوم على المجتمع من حولك أولاً.
مهما اتهمنا المجتمع من حولنا: المدرسةَ، الأقاربَ، الأصدقاءَ، وأنهم سببٌ في ممارسة أبنائنا الكذب إلا أن الحقيقة في كون الأسرة هي المسؤول الأول عن أي سلوك يصدر من الطفل، فلو تربى الطفل أن الكذب قبيح، ووجه قبيح، وصاحبه قبيح، لتقزز من مظاهر الكذب من المجتمعات حوله، ولبحث عن الصادقين -وهم كثر بحمد الله-، إذن فالأسرة هي الوقاية، وهي العلاج، وهي الحاضن الأساس لكل سلوك مكتسب.
عزز الثقة في ابنك وإياك والقسوة!
إن الأطفال الذين يَئِنُّون تحت قسوة الآباء يُورِثُهم ذلك فقدانَ الثقة، والخوفَ من الحرمان من أعطيات آبائهم، فيلجؤون إلى الكذب حتى يتملكون ما يريدون، فالطفل الذي يكذب لأجل التملك دواؤه أن تقترب منه أكثر، وأن تمنحه الثقة فيما يريد أن يقول بكل وضوح وشفافية، حتى تفهم احتياجاتِه ورغباتِه ولا يلجأَ إلى الحيل والمراوغة.
التفضيل بين الأبناء وأثر ذلك!
قد يكذب الابن علينا لمجرد جذب انتباه الوالدين، وذلك عندما يرى الابنُ أن والديه لم يمنحاه الحبَّ والعطاء الذي أُعطيَ أخوه أو أختُه، فالطفل المنبوذ في الأسرة يريد أن يحصل على انتباه أبويه الغافلَيْنِ عنه فلا يجد وسيلة إلَّا الكذب عليهما لإحداث حالةٍ من التوتر تعيد إليه اهتمامَ والديه.
وفي هذه الحالة يتشكل لدى الابن رغبةٌ في الانتقام وحبٌّ للكراهية، فيبدأ الطفل يتهم إخوته باتهامات زائفة منبعها الحقد عليهم، وكل ذلك بسبب غفلة الآباء عن العدل وتحقيق المساواة بين الأطفال.
لا تفرط في العقاب.
إن من أكثر الأسباب شيوعًا في جعل الابن يمارس الكذب: هي تخويفُه المُفرط، وتهديدُه الشديد، فربما كسر الطفلُ المزهريةَ غاليةَ الثمن، أو سكب الحليبَ على السجاد، فيسارع الأبُ إلى الصراخ والسباب، وتسارع الأمُّ إلى التوبيخ والملامة، وإن الأجدر بالآباء في هذه القضايا تغليبُ الحكمة، وضبطُ ردَّات الفعل غيرِ العقلانية، والتوجيهُ والإرشادُ بعقل واسع، وقلب حليم، فكسر مزهرية ليست بأغلى من تنشئة أطفالنا على نفس سوية هادئة غير مضطربة ولا مريضة، ويكفي أن يتمالك الأب نفسَه عند الغضب ويغادر المكان حتى يَسكُن غضبُة، ويُرْبَطَ جأشُه ثم يعاود لابنه التوجيهَ بعقل متزن.
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
علاجات سريعة!
-لِنُعلِّم أولادَنا أن الكذب منافٍ لخلق المسلم، ولِنُذكِّره دومًا بقوله ﷺ: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب".
-العقاب لا يُجدي كثيرًا في علاج الكذب كما أن التشهير بالطفل أمام العائلة يجعله يتمادى في الكذب أكثر وأكثر.
-لِنمنحْ أطفالَنا حقَّ التعبير عن أنفسهم بلا خوف أو قهر.
-لنتحمل أخطاء الطفل وزلاتِه، دون الوقوع في خطأ التدليل المُفسِد، أو التساهلِ البارد.
-الوفاء ثم الوفاء بالعهود التي نمنحها لأطفالنا، وإياك أن تَعِد ثم تُخلِف، فإنك بهذا لا تجعل قيمة لولدك، وتُفْقِدُه قيمة نفسه.
-ينبغي علينا مراعاة سنِّ الأطفال، فمن كان دون الخامسة فليس كذبُه كم من هو فوق الخامسة، فالطفل الصغير قد يتخيل أشياء، ويقول أمورًا؛ لأنه لم يفرق بين الحقيقة والخيال.
-صدّق ابنك، وابتعد عن الاتهام بمجرد الظن، ولا تلصق به تهمة الكذب إلا بدليل، وإلا فإن نتيجة ذلك فُقدانُ الثقة، وبُعدُ الطفل عنك، فيدفعه ذلك بالفعل إلى الكذب والتحايل.
- لا تسارع في وصفه بالكذاب، وليكن أسلوبك لَبِقًا غير مباشر، كأن يقول له الأب: هل أنت متأكد من هذه القصة؟ أو لعلك نسيت ما جرى. ولنبتعد عن إرغام أطفالنا على الاعتراف بخطئهم بعد إصرارهم على الإنكار، فالاعتراف والصدق والصراحة لا يحبها الطفل إلا لمن يطمئن إليه ولا يخشاه.
اللهم اجعلنا من الصادقين، وأعنا على التربية الصالحة الصادقة يا رب العالمين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد