مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:02:57

رب هب لي من الصالحين

بسم الله الرحمن الرحيم

(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)

19 / 1 / 1443هـ

إن الحمد لله...

        إن من مكونات السعادة الحقيقية، ومن مراتع الحياة الإيجابية، أن تحفل حياة المرء بمن يملأ عليه وقته بالبهجة والأنس، ويملأ عينه بالرضى والراحة، إنهم مصابيح العيش، وزهرات اليوم، وتطلعات المستقبل، إنهم: الذرية الطيبة، ونعمةُ البنين والبنات.

        ولذا كان من وافر نعيم أهل الجنة أن يجتمعوا بأولادهم، وقرةِ أعينهم، فتكتمل لذائذُهم، وتغنم بالفرحة قلوبُهم (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الطور: ٢١ "فالمؤمنون تلحقهم ذرياتُهم في منازل الجنة وإن لم يبلغوا عملَهم، لتقر أعينُ الآباء بالأبناء، فيجمع بينهم الله على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل، بكامل العمل"([1]).

طلب الذرية فطرة إنسانية.

        إن مطلب الولد فطرة إنسانية، ولَهَجٌ لهج به الرسل والأنبياء، فهي سنة المرسلين، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرعد: ٣٨.

        وتبعهم على هذه السنة الأولياءُ والصالحون، فقال الله في صفات عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) الفرقان: ٧٤ .

وبوب البخاري في صحيحه: "باب طلب الولد".

        وكان يدعو لمن تزوج بالبركة، فتزوج أبو طلحة فأتى رسولَ الله فأخبره، فقال: «أعرَّسْتُم الليلة؟» قال: نعم، قال: «اللهم بارك لهما» ([2])، قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعةَ أولادٍ لأبي طلحة كلُّهم قد قرؤوا القرآن، من بركة دعائه.

        وبوب البخاري أيضًا: "باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة" عن أنس رضي الله عنه، قال: قالت (أمي) أمُّ سليم: يا رسول الله أنس خادمُك، فقال: «اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته» ، قال أنس: "فلقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي مئة وخمسة وعشرين، وإنَّ أرضي لتثمر في السَّنَّةِ مَرَّتينِ"، يعني أنه أنجب مئة وخمسة وعشرين ولدًا من صلبه، غيرَ أحفادِه.

الغاية من الذرية والنسل.

        ولمَّا كان طلب الذرية فطرةً مركوزةً في النفوس، وظفها الإسلام إلى غايات محمودة، ومقاصد نبيله لو لم يكن منها إلا أن الإنسان لا ينقطع عمله بعد موته بسبب ولده لكفى بذلك مطلبًا، وكريمَ غاية، قال :" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له"([3])، و "إنَّ اللهَ ليرفعُ الدرجةَ للعبدِ الصالحِ في الجنةِ فيقولُ: يا ربِّ من أينَ لي هذا فيقولُ: باستغفارِ ولدِكَ لكَ"([4]).

تضرع إلى الله بإصلاح الولد.

        لمّا عُلِم بعد ذلك أن مطلب الذرية غايةٌ نبيلة، وشرفٌ مقصود، وأن من النعم الكبرى بقاء الولد بعد موت والده يُجري الله به عمل والده، كان من أعز المطالب وأسمى المُنى أن يُرْزَق الرجل بالذرية الطيبة، التي لطالما طلبها الأنبياء والصالحون،      قال زكريا: (رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) آل عمران: ٣٨ ولما كان الدعاء في غاية النفاسة كانت الإجابة في غاية السرعة: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ) آل عمران: ٣٩  وقال زكريا أيضًا: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)  مريم: ٦، " وهكذا فليتضرع العبد إلى مولاه في هداية ولده، ونجاتِه في أولاه وأُخراه اقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والفضلاء"([5]).

ملامح استشعرها في طلب الذرية الطيبة.

        وإذا دعوت الذرية الطيبة فاستشعر أنك تدعو بالصلاح المطلق، صلاح الخَلْق، وصلاح الخُلُق والأخلاق، صلاحِ الدنيا، وصلاحِ الدين:

فيكون الولدُ طيبَ الجسد، سليمَ العقل، كاملَ الأطراف، فإنَّ نَقْصَ شيء من ذلك أَلَمٌ على الوالدين يقابلانه بالصبر، واحتساب الخير والأجر، وبكثرة الدعاء.

قصة والدة الإمام البخاري.

        ذهبت عينا الإمامِ البخاري في صغره، فأشفقت والدتُه عليه أيَّما إشفاق، وأكثرت من الدعاء، وتضرعت إلى ربها بملازمة السؤال، فرأت والدتُه مرةً في المنام إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يقول لها: "يا هذه. قد ردَّ الله على ابنك بصرَه؛ لكثرة بكائك ودعائك" فلما استيقظت أمُّه من الصباح وجدت  أنْ قد رُدَّ على ابنها بصرُه([6]).

ولا شك أن أعظمَ الصلاحين ما كان فيه نجاة الآخرة، فإنها الإكسير الأعظم في الصلاح كما هي دعوة إبراهيم عندما قال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)"ووصفه بأنه من الصالحين لأن نعمة الولد تكون أكمل إذا كان صالحًا، فإن صلاح الأبناء قرةُ عينِ للآباء، ومن صلاحهم برُّهم بوالديهم"([7]).

فاللهم ارزقنا الأولاد، وبرَّهم، وصلاحَ خَلْقهم وخُلِقهم، واجعلهم قرة أعين، وارزقنا إياهم حسنة الدنيا والآخرة، يا رب العالمين.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

صلاح الأبناء ليس بالأمر الهين.

 إن صلاح الولد ليس بالأمر الهين، وإنما يَحتاج معه الوالدان إلى بذل الأسباب لتحصيل ذلك، وإن من أهم الأسباب وأوجبها: الدعاءُ بصلاح الذرية، وكان الفضيل بن عياض -وهو من كبار التابعين- يعاني من تربية ابنه علي حتى إنه قال يومًا: "اللهم إني اجتهدت أن أؤدب عليًّا، فلم أقدر على تأديبه، فأدِّبْهُ أنت لي"([8])، فأجاب الله دعاءه حتى كان في العبادة والزهد أفضل من أبيه، حتى قال عبدالله ابن المبارك:" خير الناس الفضيل بن عياض، وخيرٌ مِنْهُ ابْنه علي" ([9]).

ولا ينبغي للإنسان أن يسأم إنْ دعا الله مرة أو مرات ولم يُستجب له في صلاح الولد، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تملوا، قال مُورِّق العِجْلي:" لقد سألتُ الله حاجةً عشرين سنة فما شَفَّعَني فيها، وما سئمت من الدُّعاء"([10]).

فاللهم اشرح بصلاح الذرية صدورنا، اللهم إنا نسألك صلاح الأبناء، اللهم ارزق عاطلهم، واشف مريضهم، وزوج أيمهم يا ذا الجلال والإكرام.

 

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  تفسير ابن كثير (7/432) بتصرف يسير.

([2])  رواه البخاري.

([3])  رواه مسلم.

([4])  رواه ابن ماجه، وحسنه الشوكاني.

([5])  تفسير القرطبي (11/80).

([6])  انظر: سير أعلام النبلاء (10/80).

([7])  تفسير ابن عاشور (23/148).

([8])  سير أعلام النبلاء (7/408).

([9])  تهذيب الكمال (21/99).

([10])    التكميل لابن كثير (1/226).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة