مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:07:58

عجوز بني إسرائيل

بسم الله الرحمن الرحيم

عجوز بني إسرائيل

وفيه حديث: عن ضياع أمن الإسرائيليين، ومقارنته بأمن بلاد الحرمين

10 / 2 / 1443هـ

إن الحمد لله...

إن من أغرب الأقاصيص، وأعجب الأحاديث ما جاء عن بني إسرائيل من الروايات، وما حصل معهم من العبر والحكايات، حتى إن رسول الهدى صلوات الله وسلامه عليه قال:" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنه كانت فيهم الأعاجيب"([1])، وهو يدل على استشراف سماع أخبارهم للفرجة أو الحجُّة([2]).

من أمثلة أعاجيب العجب من أخبارهم.

ومن أمثلة أخبارهم الصحيحة أن النبي لما قال:" فإنه كانت فيهم الأعاجيب"، ضرب مثالًا أعجوبة فقال: "خرجت طائفة منهم ( أي: من بني إسرائيل)، فأتوا مقبرة من مقابرهم، فقالوا: لو صلينا ركعتين، ودعونا الله يُخرجْ لنا بعض الأموات، يخبرنا عن الموت، ففعلوا، فبينما هم كذلك، إذ أطلع رجل رأسّه من قبر، خلاسي(أي: أسمر اللون) بين عينيه أثر السجود، فقال: يا هؤلاء، ما أردتم إليَّ؟ "([3]).

قصة عجوز بني إسرائيل.

أما القصة التي سنعيش مع طياتها في هذه الجمعة فليست بأعجب من قصص بني إسرائيل الأخرى المنثورة، والتي جاءت بالأحاديث المشهورة، فليست بأعجب من قصة الرجل الذي قتل مئة نفس، ولا قصة: الأقرع، والأعْمَى، والأبرص.

إن قصتنا اليوم جمعت بين الفرجة والحجة، بين الحلاوة والعبرة، إنها قصة عجوز بني إسرائيل.

 فعن أبي موسى الأشعري، عن أبيه قال: نزل رسول الله بأعرابي فأكرمه فقال له رسول الله : «تعهدنا، ائتنا» فأتاه الأعرابي فقال له : «ما حاجتك؟» فقال: ناقة برحلها ويحلب لبنَها أهلي. فقال : " عجز هذا أن يكون كعجوز بني إسرائيل؟ فقال له أصحابه: ما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ فقال: " إن موسى حين أراد أن يسير ببني إسرائيل ضل عنه الطريق فقال لبني إسرائيل ما هذا؟ قال: فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف عليه السلام حين حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى تُنْقَل عظامُه معنا. فقال موسى: أيكم يدري أين قبر يوسف؟ فقال علماء بني إسرائيل ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل فأرسل إليها موسى فقال: دلينا على قبر يوسف قالت: لا والله حتى تعطيني حكمي. فقال لها: ما حكمُك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه كره ذلك قال: فقيل له أعطها حكمَها، فأعطاها حكمها فانطلقت بهم إلى بحيرة: مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ، فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوا قالت لهم: احفروا. فحفروا فاستخرجوا عظام يوسف فلما أن أقلوه من الأرض إذ الطريق مثل ضوء النهار"([4])، وفي هذه القصة وقفات وعظات، ومن ذلك:

كرم النفس.

        تأمل ما كان عليه النبي من التبسط والتواضع، بل والكرم والجود، حيث مرَّ النبي على هذا الأعرابي فأكرم الأعرابيُّ النبيَّ ، فأراد أن يردَّ عليه إحسانه فقال له:" «تعهدنا، ائتنا» "، "وقد بلغ صلوات الله عليه مرتبة الكمال الإنساني في حبِّه للعطاء، إذْ كان يعطي عطاء مَن لا يحسب حسابًا للفقر ولا يخشاه".

        فعن أنس قال: "ما سُئل على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة". رواه مسلم.

ولا غرو في ذلك فإن أباه إبراهيم الخليل كان يقول عنه:" كان أوَّل مَن أضاف الضَّيف إبراهيم"([5]).

قال المناويُّ: "كان إبراهيم يسمَّى أبا الضِّيفان، كان يمشي الميل والميلين في طلب مَن يتغدَّى معه...وفي الكشَّاف: كان لا يتغدَّى إلَّا مع ضيف"([6]).

الهمة العالية.

         ومن عبر هذه القصة: ما عليه هذه العجوز الإسرائيلية من الهمة العالية، والنفس المتطلعة، حيث رانت نفسُها لأعظم مقصود، وأرجى موعود، فقالت لموسى:" حكمي أن أكون معك في الجنة"، بل إنها لم ترضَ -ببعد تأملها-حتى رضيت بأن تكون مع موسى في الجنة، حيث الأنبياء والمرسلون، فأيُّ همة هذه الهمة، وأي رجاء ذلكم الرجاء؟!.

        يقول ابن القيم: "النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها، وأفضلِها، وأحمدِها عاقبة"([7]).

        قال عمر بن عبدالعزيز: "إن لي نفسًا تواقة ما نالت شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، وإنها لما نالت هذه المنزلة (يعني الخلافة) وليس في الدنيا منزلة أعلى منها تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا (يعني الجنة)" ([8]).

البركة مع الأكابر.

        ويتبيّن من خلال القصة معرفة قدرِ الأكابر، وما لهم من حظوة الخبرة والتجربة، وما وصلوا إليه من سكون النفس، ووقار العقول، فقارن بين طلب العجوز المسنة، وبين الأعرابي الذي ما زال في معترك الحياة، وكيف طلب، وكيف طلبت؟ ولهذا ألمح النبي إلى مالِ الكبير من الخير العميم، ورجاحة الرأي، فقال: "البركة مع أكابركم" ([9])، فاطلبوا البركة معاشر الشباب من أكابركم، فحيث هم حيث البركة، واعرفوا لهم سابق إيمانهم، وعظيم زهدهم.

اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار

وأنزل علينا موجبات رضاك عنا

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...

ضياع الأمن على الإسرائيليين ودخولهم في التيه.

        إن هذه القصة حصلت إبّان دخول بني إسرائيل أرضه التيه، والتي كانت عقوبة من الله لهم لمَّا نكلوا عن الجهاد، قال تعالى: (أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) المائدة: ٢٦، حتى مات فيها هارون، ثم لحقه موسى، وهذا التوهان في أرض سيناء المحدودة من أعجب العقوبات الإلهية التي أصابت بني إسرائيل، ولا شك أن هذه العقوبة انحلال أمني مريع أصاب الإسرائيليين.

نعمة الأمن التي عمت بلاد الجرمين.

    وإننا إذْ نعوذ بالله أن يصيبنا ما أصاب بني إسرائيل من الغربة عن الوطن، وافتقاد الأمن بالضياع، نحمده-في علاه- أن جعل بلاد الحرمين من آمن بلاد الدنيا، بل أصبح أمنُها أمنَ العالم الإسلامي، حتى غدت رحيقًا لمن أراد العيش بكرامة الدين والدنيا، في زمن هاجت فيه فتن سوداء عمّت ما حولها من البلدان، فإن الأمن نعمة لا يُقارن بنعمة قال:" مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا". الترمذي وقال: حسن غريب

ولا شك من أسباب استقرار دعائم الأمن التمحور على قاعدة الشريعة، والمثول أمام النصوص النبوية، كما قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) النور: ٥٥، وقد قال الملك سلمان حفظه الله مبينًا دعائم الحكم، والذي عليه دوران الأمن : "وسنظل بحول الله وقوته متمسكين بالنهج القويم، الذي سارت عليه هذه الدولة منذ تأسيسها على يد الملك المؤسس عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وعلى أيدي أبنائه من بعده ـ رحمهم الله ـ ، ولن نحيد عنه أبدا ، فدستورنا هو كتاب الله تعالى وسنة نبيه "([10]).

فاللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  أصل الحديث في البخاري، وانظر الصحيحة: (2926).

([2])  انظر عبارة الهيتمي في تحفة المحتاج (9/398).

([3])  أخرجه عبد بن حميد، قال في الاتحاف: رجاله ثقات. انظر الصحيحة:(2926).

([4])  أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وصححه الشيخ الألباني

([5])  رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسَّنه في صحيح الجامع (4451).

([6])  فيض القدير (4/543).

([7])  الفوائد لابن القيم (ص:177).

([8])  لطائف المعارف، لابن رجب (1/245).

([9])  الطبراني في الأوسط، والحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم".

([10])    موقع وكالة الأنباء السعودية، الجمعة 3 / 4 / 1436 ه،  واس.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة