أول مثل في القرآن!
الحمد لله الذي خلق النفس وسوّاها، وفطر القلوب على المحبة والرعاية، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد:
منزلة الأمثال العربية.
إن العرب جعلوا للأمثال منزلة رفيعة، وعبارة بديعة؛ لأنها تكشف المعاني الخفية، وتوضح الحقائق المغطاة، فتُجسّد ما هو في الذهن كأنه واقع محسوس، وتُصوِّر المتخيَّل بصورة المُحقَّق، والمتوهَّم كأنه أمر مُتيقَّن، وتجعل الغائب كالمشاهَد الحاضر.
فالأمثال وسيلة لنقل المعنى من الغموض إلى الجلاء، ومن عسر الفكرة إلى يسر المعنى.
فالعرب تقول مثلاً في وصف بلوغ الأمر منتهاه، وانقطاع الحيلة فيه: (بلغ السيل الزُّبى)، والزبى: الحفرة العميقة توضع لاصطياد الأسود، فإذا امتلأت بالسيل دل على أن الماء قد غمر الأرض ([1]).
فوظيفة الأمثال أن تحوِّل المعقول أو البعيد عن الحس إلى صورة حسية ملموسة تُقرّب الفهم، وهذا عين البلاغة، وشأن البيان والفصاحة، فالبيان الحق هو الذي يرفع الحجاب عن المعاني حتى تُرى بوضوح كما تُرى الأشياء بالمشاهدة.
انبهار العرب بأمثال القرآن.
والقرآن قد أبهر العرب بكثرة الأمثال المضروبة، فالأمثال فيه توقظ القلوب، وتؤثر في النفوس؛ لأنها تََمزِج بين التصوير والموعظة.
فالسامع للأمثلة القرآنية لا يقرأ فكرة ذهنية فحسب، بل يعيش مشهدًا حيًّا، يخاطب فؤاده؛ ولذا يقول الله سبحانه وتعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) العنكبوت: ٤٣، يقول عمرو بن مُرَّةَ: "ما مررتُ بآيةٍ في كتاب الله-تعالى- لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأنِّي سمعتُ الله يقول في كتابه: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، وقد تعددت الأمثلة في القرآن، فضرب مثلًا بالبعوضة، ومثلًا بالذباب، ومثلاً بالعنكبوت، ومثلًا بالسراب، ومثلًا بالنار، ومثلًا بالشجرة، بل ضرب الله بالمشكاة مثلًا لنوره العظيم، فهل عقلنا عن الله ضربَه للأمثال! وهو يقول سبحانه: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) الروم: ٥٨
وفي حديث اليوم سندرس أول مثلين من أول القرآن ورودًا وتعاقبًا، أحدُهما مثل ناري، والثاني مثل مائي، ونحاول أن نكشف شيئًا من مراد الله من ضرب هذين المثلين لعلنا نتذكر أو نخشى.
المثل الناري.
يقول تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ )
فهؤلاء قوم مثلهم كرجل كان في ظلمة، لا يرى ولا يبصر، ولا يدري ما يأتيه من وراء الظلمة من إنس أو جن، من طائر أو دابٍّ وهائم، فأشعل نارًا حتى يبدد خوفه، ويفتح بصره، فلما أضاءت هذه النار ما حوله، فاشتعلت، وكثر ضوؤها، واستروح لها واستراح، وسكن قلبُه الخائف الراجف، ورأى ما عن يمينه وشماله، وآنسته النار حتى وجد برد الأمان، إذ انطفأت نارُه وعاد لظلمته وبيتِ خوفه، وهذا هو حال من كان كافرًا تائهًا في ظلمات الضلالة والحيرة، ثم دخل في الإسلام فسكن قلبه، ورفَّ فؤاده، وآنس أنوار الإيمان، ثم دخل في النفاق، فانطفأت عنهم الأنوار، وبُثُّ في قلوبهم الرعب، وأصبحوا كما قال الله عنهم (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ) البقرة: ١٨، وهكذا كل من ذاق حلاوة القرآن، وبشاشة الإيمان، ثم خلَّفهما وراء ظهره، فإنه ينقلب إلى حالةٍ من البؤس والضياع، بل وأمرٍ من خيبة السعي، وفساد المآل، وبشاعة المُنقَلب، "ويقع في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين؛ فالمتحير في الدين يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين"([2]).
ومن بلاغة هذا المثل أن الله قال: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ولم يقل (ذهب الله بنارهم) مع أنه قال (اسْتَوْقَدَ نَارًا) بل قال: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) البقرة: ١٧؛ لأن النار باقية في قلوبهم، وإنما أذهب الله نورها، فذهب إشراقُها وبقي إحراقها، "فأذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان"([3]).
وكثير من الناس يعيشون اليوم في ظلماتٍ متراكمة:
ظلمة الشهوات، وظلمة الشبهات، وظلمة الغفلة عن الله، وفي لحظةٍ من حياتهم، ربما يسمعون آية تهزّ قلوبهم، أو يشهدون موقفًا يذكّرهم بالآخرة، أو مصيبةً توقظهم، فيتّجهون إلى الله ويستوقدون "نار الإيمان" في قلوبهم، فجأةً يشعرون بالراحة، وتتنفّس صدورهم الصُعَداء والأمل، وتطمئن قلوبهم بأنوار الطاعة.
لكن… بعضهم لا يثبت، فسرعان ما ينخدع ببريق الدنيا من جديد، أو يصاحَب أهل السوء، أو يستثقل طريق الطاعة فيعود إلى ظلامه الأوّل. وهنا يصبح حالُه أشدَّ بؤسًا من ذي قبل؛ لأنه عرف لذّة النور ثم فقدها، وتذوّق برد اليقين ثم عاد للقسوة والخوف.
المثل المائي.
يقول تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة: ١٧ - ٢٠
وهذا مثل آخر، لمن كان يمشي في ليلةٍ مظلمة، إذ تجمع السحاب فوق رأسه، حتى غشيته ظلمة السحاب مع ظلمة الليل، فهذه ظلمتان، ثم أمطرت مطرًا شديدًا، لا يستطيع معه رؤيةً أو نظرًا، فهذه ثلاث ظلمات اختلطت، فيها: غيوث وأنوار ومزعجات وأكدرا: ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة شدة المطر، اجتمع معه في ذلك كلِّه صواعقُ صائتة تكاد تُصمُّ آذانه، وبروقٌ لامعة تكاد تخطف أبصاره، يقف في الظلمات العظيمة حائرًا، فإذا أبرقت مشى في نور البرق، ثم تعود عليه الظلمة سريعًا أشد ما كانت؛ لخطفة البرق وزواله، فهو في أنواع الظلمات وأنواع المخافة.
وكذلك هم حال الشاكين في دين الله، المتحيرين في أحكامه وآدابه، فالمراد بالصيب والمطر هو القرآن والإيمان، كما قال H : "مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ به مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا"([4]). والظلمات والرعد والبرق هي زواجر القرآن ووعيدُه، إذْ يجد أصحاب القلوب المريضة أن أنفسهم منطبقة على قوارع القرآن وتهديداته.
فالله شبّه حال بعض الناس كمن يسير في ليلٍ مظلم، تتراكم فوقه غيوم سوداء، ومعها مطر شديد، وصواعق تهزّ السمع، وبروق تخطف الأبصار.
فهو في رُعبٍ واضطراب: إذا أبرق البرق خطا خطوة، وإذا خمد عاد إلى ظلمة أعمق، لا يثبت على طريق، ولا يطمئن له قلب.
وهذا حال المتذبذب في دينه: يلمع له نور الحق فيراه لحظة، ثم يغشاه ظلام الشك والشهوة، فلا يثبت.
انظر حولك اليوم:
من الناس من إذا سمع موعظة أو خطبة رقّ قلبه وبكى، فإذا خرج عاد إلى غفلته كأن شيئًا لم يكن.
ومنهم من إذا أصابته مصيبة التجأ إلى الله، فإذا انكشفت رجع إلى لهوه ومعصيته.
ومنهم من ينبهر بآية أو حديث، لكن ما أشد ما يختطفه سيل الدنيا، فيبقى يراوح مكانه لا يتقدم خطوة ثابتة، فهؤلاء يعيشون في أجواء البرق: إيمان مؤقت، ونور متقطّع، بلا ثبات ولا رسوخ.
فيا من يلمع في قلبه البرق لحظة عند سماع القرآن،
اجعل نورك ثابتًا لا عابرًا، فالنور الذي يبقى هو نور العمل، لا نور الانفعال المؤقت.
واعلم أن القرآن مطر رحمة، ينزل ليحيي القلوب، فمن قبله أنبتت أرض قلبه إيمانًا ثابتًا، ومن رده غرق في ظلمات لا خروج منها.
28 / 2 / 1447
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) انظر: جمهرة الأمثال (1/220).
([2]) تفسير الرازي (2/312) بتصرف.
([3]) تفسير ابن كثير (1/287).
([4]) رواه البخاري.