بسم الله الرحمن الرحيم
"المدَّاحون"
آفة مجتمعية
3 / 4 / 1444هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(
أما بعد:
عادة ذات حَدَّين.
جاء الإسلام ليهذب العادات، ويجعلها على ميزان الاعتدال، من غير إفراط ولا تفريط، فكثير من القيم هي موجودة قبل الإسلام، لكن جاء الإسلام بتقويمها، أو التأكيد عليها كما قال ﷺ:" بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ"([1]).
ومن العادات التي زُرعت في قلوب الناس، ولاكَتْهَا ألسنة البشر، عادةٌ أفرط فيها ناسٌ فزاغوا، وقصَّر فيها ناس فما اعتدلوا، عادةٌ اجتماعية لها حَدّان: أحدُهما يحيي، والآخر يميت، إنها عادةُ المدحِ، والتَمَادُح، وحبِّ ذلك في القلب.
الواحدُ الذي يستحق المدح كلَّه.
وليس أحد في الوجود يستحق مطلق المدح، وتمامَه وكمالَه كالذي خلقك ورباك وأسدى إليك النعم، فالله كاملُ الذات وعظيمُ الصفات، أعظم من ملك، وأجود من أعطى، وأكرم من عفا، وأعظم من غفر، وأعدل من حكم، ولذا فإنه سبحانه وتعالى يحب المدح، ويحب المتمدحين له من عباده، قال ﷺ : "ليْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ"([2])، أحبَّ المدح سبحانه:
1-لأنه أهلٌ له.
2-ولأن في مدحه والثناءِ عليه إقامةً للحق والعملَ به، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) الحج: ٦٢ .
3-ولأن في مدح العباد له مصلحةً للعباد في معاشهم ومعادهم، فالله غنيٌّ عنهم، وهم فقراءُ إليه، فأحبَّ المدح-جلَّ في علاه- لينتفع المكلفون، لا لينتفع هو سبحانه به.
المدح بين الكراهة والاستحباب.
أما الناس والبشر فللتمادح بينهم أحكامٌ وآداب، ضبطتها الشريعة بميزانِ العدل، ولسانِ الحق، فيقال: إن للمدح ثلاثَ أحوال:
1-الكراهة الشديدة.
فيكره المدح كراهةً شديدةً إذا كان الممدوح سيتأثر سلبًا بالمدح، فيسبب له الغرور في النفس، والتكبر على الغير، أَثْنَى رَجُلٌ علَى رَجُلٍ عِنْدَ النبيِّ ﷺ فَقالَ: "ويْلَكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ أخِيكَ"([3])، فالمدح لمن هذا حالُه مظِنةُ هلاكِه، بل إذا ورد المدح على قلب مملوء بالخيلاء والعجب فإن هذا المدح بمثابة السكين التي تقتل الممدوح، قال ﷺ "إياكم والتمادح، فإنه الذبح"([4]).
2-الإباحة.
ويباح المدح لمن وُكِل إلى إيمانه، بأن كان رجلاً لا يضره مدح المادحين، لتعلق قلبِه بالله، ولأنه لا يرجو إلا رضى الله، فقد مُدِح النبي ﷺ نظمًا ونثرًا، ولم يُنْكِر ذلك على المادح له ﷺ، وامْتَدَحَ النبيُّ ﷺ كثيرًا من أصحابه بما هو فيهم، لعلمه ﷺ ما في قلوبهم من الإيمان والرجاء، كما قال لأشَجّ عبدِ القيس:" إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ تَعالى وَرَسُولُهُ: الحِلْمَ والأناة"([5])، والعبد كلما امتلأ قلبُه محبةً لله وتعظيمًا، وكلما عرف ما في نفسه من التقصير، كلما أدرك أن كلماتٍ قالها بشرٌ قَصُرت أنظارهم عن الحقائق هي كلماتٌ عابرة في الهواء ليس لها قرار، قال سفيان الثوري: "من عرف نفسَه لم يضرَّه المدح"([6]).
3-الاستحباب.
وقد يُستحبُّ المدحُ إذا كان في المدح أثرٌ إيجابي على الممدوح، من تشجيعه لفعل الخير، وجبرِ خواطرِ المنكسرةِ قلوبُهم، قال النووي: "بَلْ إِنْ كَانَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةٌ كَنَشَطِهِ لِلْخَيْرِ وَالِازْدِيَادِ مِنْهُ أَوِ الدَّوَامِ عَلَيْهِ أَوِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ كَانَ مُسْتَحبًا" ([7])، وهذا بابٌ يدخل منه الآباء والمعلمون والمربون على أبنائِهم وطلابِهم، بأن يرفعوا معنوياتهم، ويَجْبُروا خواطرهم، ويحفزوهم على الجد والمثابرة، من خلال أبواب الكلمة الطيبة التي تمدحهم بما يقيم اعوجاجهم، ويسدد دربهم.
فاللهم اجعل رضاك عنا من غاية أمانينا، وجعل قلوبنا متعلقة بذكرك الحسن، والثناء عليك بما أنت أهله، ولا تجعل قلوبنا مفتونة بركام الدنيا، ولعاعتها الفانية، أقول ما تسمون....
الخطبة الثانية: الحمد لله...
شرُّ المدّاحين.
إن هنالك فئةً لا يخلو منها تاريخٌ من الماضي، فئةً موجودةٌ في كل مجتمع من المجتمعات السابقة واللاحقة.
إنها الفئة التي تُلقي الرخيصَ من الكلام، لتأخذ عليه أضعافًا مضاعفة من المال، إنها تلك الفئة التي غالبُ همِّها التكسبُ بالمدح، وجعلُ ذلك وظيفةً لهم، بها يرتزقون، ويعيشون، مَنْ تجُدُهم عند أبواب الوجهاء، وأهلِ الثراء، يرجون ما عندهم من حفنة الدنيا.
وغالبُ هؤلاء يقولون ما لا يعلمون، ويجعلون من الحبة قبة، ومن المَخْدع فسطاطًا، وربما مدحوا الظالم بما فيه كذبًا وزورًا لأجل التمويل والعطاء، "فآفة المدح في المادح أنه قد يكذب، وقد يرائي الممدوحَ بمدحه، ولا سيما إن كان فاسقًا أو ظالمًا" ([8]).
مدح رجلٌ عثمانَ بنَ عفان يومَ كان خليفةً للمسلمين، فقام المِقْدَادُ فجثا على ركبتيه- وكان رجلا ًضخمًا- فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم المدَّاحين، فاحثوا في وجوههم التراب» ([9]).
فقال النبي ﷺ: "المدَّاحين"، والمدَّاح: هو الذي يكثر من المدح الباطل([10])، فإن أمثال هؤلاء لا يُؤمَنُون، فمن مَدَحَكَ بالخير وتعلم أنه يكذب في حقك، فإن سيذُمُّك بالشر من ورائك لا ريب، قال وهب بن منبه: "إذَا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ فيكَ مِنَ الْخَيْرِ ما لَيْسَ فِيكَ فَلا تَأْمَنْ أنْ يَقولَ فِيكَ مِنَ الشَّر مَا لَيْسَ فِيكَ"([11]).
فاللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله. اللهم أعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأعذنا من شر كل ذي شرٍ يا رب العالمين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه أحمد، والبخاري في الأدب، وصححه محققو المسند.
([2]) متفق عليه.
([3]) رواه البخاري.
([4]) رواه أحمد، وصححه محققو المسند.
([5]) رواه مسلم.
([6]) الأذكار، للنووي (ص:278).
([7]) شرح صحيح مسلم، للنووي (18/126).
([8]) فتح الباري، وقد نقله الشارح عن الغزالي (10/478).
([9]) رواه مسلم.
([10]) انظر: عمدة القارئ (22/132)
([11]) مجمع الأمثال (1/29)