بسم الله الرحمن الرحيم
الفجأة
أحكام وأخبار
16 / 6 / 1445 ç
إن الحمد لله...أما بعد:
أمرٌ خشيه الأدباء، وهابه البخلاء، ورحب به الصالحون، وفزع من لقائه المفرطون، إنه الفجأة، والفجأة الأمر الذي يأتي سريعًا من غير إنذار أو إشعار. فأما الأدباء فإنهم يخشون الكلام فجأة من غير تحضير ولا استذكار حتى لا يخطئوا. وأما البخلاء، فإنهم يهابون ضيف الفجأة، الذي يأتي من غير وعد، ولما قيل لبخيل: لمَ تجعل أكْلَكَ في منتصف الليل؟ فقال: "حتى يبردَ المَاء، وينقمعَ الذُّبَاب، وآمَنَ فَجْأَة الدَّاخِل"([1])، أي فجأة الضيف الذي يأتي في النهار.
والفجأة أمر يقدره الله على الخلق، فتتغير أحوالهم بغتة، وتتبدل أمورهم فجأة، قال تعالى عن نفسه المقدسة: ( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ( النجم: ٤٣ - ٤٤ فالله قاهرٌ عبادَه بِقَدَرِه وتدبيره، ولا يستطيعون ردَّ شيء من ذلك، قال الحسن: "أذل الله ابنَ آدم بثلاث: يمرض فجأة، ويموت فجأة، ويفتقر فجأة" ([2]). وهنا سيكون الحديث دائرًا عن الفجأة وبعض أحكامها وأخبارها، فمن ذلك:
قدوم الفجأة.
إن من أحكامِ الشريعة وآدابِها السمحة، أن المسافر إذا أراد القدوم على أهله فينبغي له أن يشعرهم ويخبرهم بوقت قدومه، ولا يأت إليهم فجأة، حتى يتهيؤوا إليه، ويتجملوا لمقابلته، ولا يتخونهم بقدومه عليهم فجأة، فعن جابر قال: كنا مع رسول اللَّهِ ﷺ في غَزَاةٍ، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال ﷺ: "أَمْهِلُوا حتى نَدْخُلَ لَيْلًا - أَيْ عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ"([3])، أي: تتجمل لزوجها.
نظرة الفجأة.
وإن من الأمور التي وُصفت بالفجأة، النظرة، فعن جرير بن عبدالله البجلي قال، سألت النبي ﷺ عن نظر الفجأة، فقال: "اصرف بصرك" ([4]).
ونظر الفجأة أي أن يقع بصرُه على الأجنبية بغتة من غير قصد، فلا يجوز له عندها أن ينظر إليها مرةً ثانية؛ فإن أدام النظر أثم، قال رسول الله ﷺ: " يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ"([5]).
موت الفجأة.
إن من صور الموت المنتشرة، والتي تدهم الناس من غير قرع جرس، ولا نقر باب، هو موت الفجأة، فلا إمهال ولا إخطار، وهو نوع من أنواع الموت قديمًا، لكنه انتشر ودبَّ في الآونة الأخيرة، وهذا ما نبَّأ به النبي ﷺ فقال: "مِنِ اقْترابِ السَّاعةِ أنْ يظهرَ موتُ الفَجْأَةِ"([6]).
وقد وقع موت الفجأة زمن النبي ﷺ، بوب البخاري بابًا فقال: (باب موْتِ الفَجأةِ: البَغتةِ) فقال: إن رجلًا قال: يا رسول الله. إن أمي افْتُلِتَتْ نفْسُها (أي: ماتت فجأة)، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال ﷺ: "نَعَم"([7]). فهذه المرأة ماتت فجأة ولم تكن أوصت؛ بسبب مباغتة الموت لها، ألا فأوصوا يا عباد الله قبل دهوم الموت، وتصدقوا عمن تحبون.
وموت الفجأة قد يكون خيرًا للمؤمن وقد يكون نقمة وغضبًا على المسرف المقصر المتجاوز:
فأما المؤمن الصالح فكلُّ الموتات في حقه راحةٌ من الدنيا ونكدِها، وإقبالٌ على الجنة ونعيمِها، لم يمت عن الدنيا إلا وهو مُتَحَصِّنٌ بالأعمال الصالحات، مستعدٌ للقاء ربه، وقد يكون موت الفجأة عليه راحةً من آلام الموت وشدته، والقبضِ ونزعتِه، فيكون في الفجأة زيادةُ رحمةٍ عليه.
وأما المسرفُ المتجاوزُ على نفسه، والناكصُ عن التوبة والمحاسبة، فموت الفجأة له نقمةٌ وغضبٌ، إذْ جاله الموت وهو في غفلةٍ عظيمة، وسكرةٍ من أمر الدنيا بعيدة، فانتزاعُ روحه فجأةً بلا نذير قادم لهو الخسران المبين، قال النبي ﷺ : "مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ"([8])، والمراد أن موت الفجأة من آثار غضبه تعالى، حيث لم يمهل الله المسرفَ المقصرَ حتى يتوب، ولم يُمْرِضُه ليكون المرضُ كفارةً لذنوبه، قال تبارك وتعالى عن المعرضين: ( فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) الأعراف: ٩ ، والبغتة: الفجأة، فموت الفجأة راحة للمؤمن، وأخْذَة أَسَفٍ للفاجر.
وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ فُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ "([9])، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ) .
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
بيعة الفجأة.
إن أشهر بيعة على الخلافة في التاريخ الإسلامي، هي بيعة الفجأة لأبي بكر -رضي الله عنه-، فإن النبي ﷺ مات ولم يصرح بالخلافة إلى أحد من الناس، فتنازع بعض الناس في أمر الخلافة بعد رسول الله ﷺ لمن تكون، وطلبها أقوام لأنفسهم، فقام عمر-رضي الله عنه- فأخذ بيد أبي بكر فقال: "إني أبايع أبابكر"، فبايع الناس أبا بكر بعد ذلك، لِمَا فهم الناسُ واستقر في نفوسهم من تقدِّم أبي بكر في الفضل والأسبقية، وهذا من حِكْمة عمر العظيمة في فضِّ النِّزاع في سَقِيفة بني ساعدة، وذلك أنَّه بادرَ فأخذ بيد أبي بكر، فبايعه، فانصبَّ الناس وتتابعوا في مبايعة أبي بكر، وانفض النِّزاع، والحمد لله تعالى.
وكان عمر يقول: "إنما كانت بيعة أبي بكر فَلْتَة"([10])، ومعنى فلتة، أي: فجأة، وبسرعة، وإنما أسرعوا فيها حتى لا تنشب في تأخيرها أي فتنة متوقعة.
توحيد الفجأة.
وكان توحيد المملكة العربية السعودية في عهدها الثالث فلتةً وفجأةً على يد المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، فبينما العالم منشغلون بحروب عالمية طاحنة، فيما تمزق دول، وتشرذم شعوب، هرع الملك عبدالعزيز على توحيد الناس على إقامة توحيد الله، وفكَّ الله به الجزيرة العربية من شرك في العبودية والصراعات والنزاعات القبلية، حتى قامت البلد على الأمن والأمان، بحمد الله وتوفيقه.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمْرِ المسلمينَ لِلْحُكْمِ بكتابِكَ، والعمل بسنَّةِ نبيِّكَ، اللهم وفِّق خادمَ الحرمينِ الشريفينِ وسموَّ وليِّ عهدِهِ لما فيه الخيرُ والصلاحُ واحفظْهُم من كلِّ سوءٍ ومكروهٍ.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) نثر الدرر، للآبي (3/195).
([2]) نثر الدرر، للآبي (5/133).
([3]) رواه البخاري ومسلم.
([4]) رواه مسلم.
([5]) رواه الترمذي.
([6]) أخرجه العقيلي، وحسنه الألباني في الصحيحة.
([7]) رواه البخاري.
([8]) رواه أحمد وصححه محققو المسند.
([9]) رواه مسلم.
([10]) رواه الترمذي.