مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:15:41

من لها يوم السبع

بسم الله الرحمن الرحيم

"من لها يوم السَّبُعِ"

أخبار وأحكام

7 / 7 / 1442هـ

إن الحمد لله...مخلوق جعله الله منةً على عباده، رحمةً بسكان أرضه، كان له مع كل نبي حكاية، مخلوقٌ لا يُفهِم، ومِعطاءٌ لا ينقطع، ذلّـله الله للعباد، وجعله من آلف ما يكون، ففيه الجمال، وفيه زينة المُلك، وفيه رحابه الأنس، يعيش حيث عاش الإنسان، في السهول والتلال، والهضاب والجبال، فقد نوعه الله وشلكَّه، وكيفه على تواجد الإنسان. هذا المخلوق هو:

        الغنم. (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) كانتِ الغنمُ من أجلِّ أموال العرب، وعليها اتكاؤهم في أطعمتِهم، واتِّخاذِ الغزلِ لملابسهم واتخاذ الصوف لخيامهم، وغيرِ ذلك من المنافعِ، بل هي سنة ما قبل العرب، قال موسى لربه:  (عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي) طه: ١٨

غنم في الجنة.

        وفي الجنة غنم، كما أخبر فقال: "إِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ"([1])، لكن لا يعلم صفتها إلا الله، غير أننا نوقن أنها في غاية البهاء والجمال، لأن الجنة كلَّها نعيم لأولياء الله.

الغنم بركة.

        وإن اتخاذ الغنم بابُ رزق وخير، ومدرار بركة ونماء، قال:"اتَّخِذُوا الْغَنَمَ فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَةً"([2])، وفي رواية عند أحمد:" فإنها تروح بخير، وتغدو بخير".

        ومن بركتها: اللباس والطعام والشراب وكثرة الأولاد، فإنها قد تلد في العام ثلاث مرات.

الغنم مدرسة التواضع.

والغنم تورث السكينة، وتحمل صاحبَها على خفض الجناح، ولين الجانب([3])، قال: "الفخر والخُيَلاء في أصحاب الإبل، والسَّكينة والوَقَار في أهل الغنم" متفق عليه، وتخصيص الخُيَلاء بأصحاب الإبل، والوَقَار بأهل الغنم، يدلُّ على أنَّ مخالطة الحيوان تؤثِّر في النَّفس، وهذا وجه الحكمة في أنَّ كلَّ نبيٍّ رعى الغنم.

الأنبياء رعوا الغنم.

        ولما تفاخر أهل الإبل والغنم قال:"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم"، فقالوا: وأنت؟ فقال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" رواه البخاري، أي لكل شاة قيراط.

        يريدأن الله لم يضع النبوة في أبناء الدنيا وملوكها، لكن في رعاء الشاء وأهل التواضع من أصحاب الحرف([4])، كما أنه قال: "إن شرَّ الرِّعاء الحُطَمة"، والحطمة: هو العنيف برعاية الإبل في السَّوق والإيراد والإصدار، ويلقي بعضَها على بعض، ويعسفها، ضَرَبَه مثلاً لوالي السوء([5])، ولذا لم يرع أحد من الأنبياء الإبل.

        والحكمة من إلهام الأنبياء رعيَ الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا عليها ألفوا الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباع الناس، وعقولهم([6]).

الصلاة في مراح الغنم، دون معاطن الإبل

        ومن أحكام الغنم أنه يجوز الصلاة في حظائرها، دون حظائر الإبل، قال:" لا تصلوا في عطن الإبل، فإنها من الجن خُلقت، ألا ترون عيونها وهيئتها إذا نفرت؟ وصلوا في مراح الغنم، فإنها هي أقرب من الرحمة"([7]).

وعلة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل كونُها مأوى الشياطين، وكونُها تشوش على المصلي وتمنعه من كمال الخشوع لأنه يخشى من أذيتها له([8]).

قربان الأغنام.

        وكُانوا في الجاهِليَّةِ إذا وُلِدَ لأحدِهم غُلامٌ ذَبَحوا شاةً ولَطَخَوا رأسَـه بدَمِهـا، فلمَّا جاءَ اللهُ بالإسـلامِ ذبحوا شاةً وحلقوا رأس المولود ولطخوه بزعفران([9])، وهذه هي العقيقة، وهي سنة نبيكم محمد .

ومن الصدقات التي قلَّ فعلها بين الناس:

ما روى مسلم في صحيحه "أنه أَهْدَى مَرَّةً إلى البَيْتِ غَنَمًا"، أي: أهدى إلى الكعبة غنمًا وهو في المدينة، وهذه من السنن التي قل فعلها بين الناس، وهي أن يبعث الإنسان بهدي إلى الحرم، وهو مقيم في بلدته، وإن لم يذهب إلى عمرة أو حج.

اجتماع لا فُرقة.

        ومن سياسة الغنم أنهم يحمون أنفسهم بأنفسهم، ولا يتفرقون، فإذا شذت الواحدة هلكت قال: "عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" ([10])

         فاللهم زدنا تفكرًا في خلقك، وشكرًا لنعمك

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...

الغنم وقت الفتن.

        وقد أخبر أن الفتن آخر الزمان تشتد، والغربةَ بينهم تحتد، فإذا وقع ذلك فإن خير مال العبد الغنم، فقال : "يوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ"([11]).

        لأن من أراد أن يعتزل الناس فلن يجد كالغنم في توفير لحومِها ونِتاجِها وألبانِها، والاستمتاع بأصوافِها، ترعى النَّبات والعُشبَ في الجبال، وتَرِدُ المِياهَ، وهذه المَنافعُ والمرافِقُ لا تُوجَدُ في غيرِ الغنم، وكذلك هي في نُمُوِّها وزِيادتِها أبعَدُ مِن الشَّوائبِ المُحرَّمةِ: كالرِّبا، والشُّبهاتِ المَكروهةِ([12]).

        وفي آخر الزمان يترك الناس أغناهم، قال "وبيْنَما رَجُلٌ في غَنَمِهِ إذْ عَدَا الذِّئْبُ، فَذَهَبَ منها بشَاةٍ، فَطَلَبَ حتَّى كَأنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا منه، فَقالَ له الذِّئْبُ هذا: اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فمَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ، يَومَ لا رَاعِيَ لَهَا غيرِي فَقالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، فقالَ: فإنِّي أُومِنُ بهذا أنَا وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وما هُما ثَمَّ"، أي: أن النبي شهد للشيخين بتصديق هذا الخبر وهما غير موجودين.

        وقول الذئب:" فمَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ " أراد: مَنْ للشاة عند الفتن حين يتركها الناس هملاً لا راعي لها، نُهبة للذئاب والسباع، وهذا إنذار بما يكون من الشدائد والفتن فيهمل الناس مواشيهم فتستمكن منها السباع بلا مانع([13])

الغنم في المنام.

ومن دلائل نبوته أنه أخبر عن تداخل العرب والعجم، فقال عن رؤيا منامية: "رأيت غنمًا كثيرةً سوداء، دخلت فيها غنم كثيرةٌ بيض"، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟  قال: " العجم، يشركونكم في دينكم وأنسابكم"([14])، فالغنم السوداء هم العرب، والبيضاء هم العجم.

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) رواه أحمد قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح.

(2) رواه أحمد، وقال محققوه:" إسناده صحيح"

(3) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (10/80).

(1) انظر: شرح السنة للبغوي (11/334)

(2) انظر: النهاية(1/402)

(1) انظر: فتح الباري (4/441)

(2) رواه أحمد، وقال محققوه: "إسناده حسن"

(3) "وذهب مالك، وأحمد، أن صلاته في أعطان الإبل لا تصح". شرح السنة، (2/405).

(1) عن بريدة، أخرجه أبو داودَ، وصحح إسناده الشوكاني في الدراري المُضِيَّة.

(1) رواه أحمد، بإسناد حسن.

(1) رواه البخاري.

(2) انظر: عمدة القاري (1/164)

(1) انظر: النهاية(2/337)

(2) صححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة