مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:17:40

هذه مريم يا نساء العصر

بسم الله الرحمن الرحيم

29 / 2 / 1442

"هذه مريم يا نساء العصر"

أمة الله، وأم عبده ورسوله

الحمد لله...

أمة من إماء الله، خلقها الله فأحسن خلقها، وصورها فأكمل صورتها، جعل الله في رَحِمِها آيةً كونية، ومعجزة أبدية، يذكرها أهل الكتب السماوية، بلا نزاع ولا شقاق، فأنجبت من غير زوج،  كما خُلق آدم من غير أب ولا أم، وحملت بالعفة والطهارة، وبقول الله كن فيكون ما يريد.

إنها مريمُ بنة عمران([1]).

سورة آل عمران تذكر ميلاد مريمَ وابنِها.

قَدِم وفد نجران زمن النبي على رسول الله فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم، ويدَّعون بزعمهم أن الله ثالثُ ثلاثة، فأنزل الله عزوجل صدر سورة آل عمران تبين فيها عقيدة الرسل وأتباعِهم الصادقين في عيسى، وأنه عبدُالله ورسولُه، وأن أمَّه لم يكن أحصن من عفتها وطهارتها، فردت السورة على طائفتين غالتين: اليهود الذي اتهموها بما برأها الله منه، وعلى النصارى الذي أطروا عيسى حتى عبدوه مع الله، وقد قال:" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"-رواه البخاري-.

بيتُ آل عمران الطاهر.

وذكرت سورة آل عمران ميلاد قصة أم عيسى العذراء، قبل أن تذكر ميلاد عيسى نفسه فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) فذكر الله أنه اصطفى بيت آل عمران، هذا البيت الطاهر الطيب، والمراد بعمران هو والد مريم.

نشأة مريم أم عيسى في بيت العابدين.

وقد نشأت مريم منذ صغرها في بيت المتعبدين، فكان أبو مريم عمرانُ صاحبَ صلاةِ بني إسرائيل في زمانه، وكانت أمُّ مريم من العابدات، وكان زكريا نبيَّ ذلك الزمان، وزكريا زوجُ أخت مريم.

نذرُ أم مريم لبيت المقدس.

وكانت أم مريم لا تحمل، فاشتهت الولد فنذرت لله إن حملت لتجعلن ولدها مُحررًا، أي حبيسًا في خدمة بيت المقدس، وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خُدّامًا من أولادهم، كما قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)

تقبل دعاء أم مريم.

فتقبل السميع العليم دعاء أم مريم، فحملت ببنت، ولم تحمل بذكر، (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ)   فقال الله: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ)، وقالت: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) آل عمران: ٣٦ ، فسمتها أمها مريم يوم ولادتها، واستُدِل به على تسمية المولود يوم ولادته، كما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله فحنك أخاه، وسماه عبدَ الله.

الله يقبل دعاء أم مريم مرة ثانية.

وكان من عبودية أم مريم أنها دعت الله لابنتها: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)  فاستجاب الله لها ذلك في ابنتها، فعن أبي هريرة أن النبي قال: "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها".

 

أم مريم تُسَلّم مريم إلى العباد.

فلما أنهت أم مريم من رضاعة ابنتها مريم، وضعتها ولفتها في خرقة، ثم خرجت بها إلى المسجد فسلمتها إلى العباد، وكانت مريمُ ابنةَ إمامهم عمران، والذي هو صاحب صلاتهم، فلأجل ذلك تنازعوا فيها، أيهم يكفلها.

قرعة الأنبياء.

وكان زكريا نبيَّهم في ذلك الزمان وقد أراد أن يؤخذها دونهم، من أجل أن زوجتَه أختُها، فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم فخرجت قرعته غالبةً لهم، قال الله: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)  وقال الله: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا).

وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس، وزكريا، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد بوب البخاري: "باب القرعة في المشكلات"، وكان النبي إذا سافر أقرع بين نسائه.

مريم تنتقل إلى فضاء المتعبدين.

فاتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا من المسجد لا يدخله سواه، فكانت مريم تعبد الله فيه، وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت، مع عظيم عبادتها في ليلها ونهارها، حتى صارت مريم يُضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة.

كرامات الأولياء تتجلي في بيت المقدس.

وكان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) آل عمران: ٣٧.

فاللهم ارزقنا إيمانًا يورثنا نعيمَ الدنيا، وجمال الآخرة، واجعلنا من زمرة المتعبدين، ومن بقايا الراكعين الساجدين.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله...

اصطفاء مريم على نساء العالمين.

        وبشرت الملائكة مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالَمِي زمانِها، فاختارها الله لإيجاد ولد منها من غير أب، وبأنه سيكون نبيًا شريفًا (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) آل عمران: ٤٦  أي يكلمهم في صغره، وهو في مهاده، معجزةً من الله، وتبرأة لأمه (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)، وكذلك يكلمهم في حال كُهولته، فدل على أنه يبلغ الكهولة، ويدعو إلى الله فيها.

وأمرت الملائكةُ مريمَ بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة، (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)

كونوا كمريم يا نساء العصر.

        إن مريم بنة عمران إشراقةٌ من إشراقات العفة والطهر، (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) التحريم: ١٢ فكانت النتيجة والمكافأة (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا)، ففضلها الله على نساء العالمين؛ لتصديقها وعبادتها، (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)، فأين نساء عصرنا من ابنة المحراب، وابنة العفة والطهارة والحجاب، التي لم تعرف طريقًا للأخدان والخلان، ولا سبيلاً لاختلاط وفساد الزمان.

لمّا تحرك الحمل في أحشاء مريم البتول عند الولادة (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا) مريم: ٢٣، خافت أن يُظن بها الشر في دينها، فيقع قوم بسببها في البهتان.

وإن الناظر إلى عالَمِنا المتحضر في مدنيته في شرقه وغربه، يرى تخلي كثيرٍ منه عن فطرة مريم البتول، بالرغم من زعمهم انتسابَهم لها! ومع ذلك ترى مجتمعاتهم غارقة في وحل الانحلال المفرط.

 ونحن في مجتمعنا الإسلامي المحافظ ينبغي لنا أن نقيم سدود الحذر عن التيارات الغربية والشرقية، وأن نربي بناتنا على نبذ الانحلال، وأن نغرس فيهم التوشح بالحياء والاعتدال، حتى تفخر الفتاة بلباس العفة، وتمقت كساء الانحلال، ولا ترنو لتقليد الشرق والغرب، بل ترحل مع الحياء حيث رحل، وتكون من دعاة نبذ السفور والاستعلاء.

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) ذهب جمهور النحاة واللغويين إلى معاملة (ابنة) معاملة (ابن).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة