بسم الله الرحمن الرحيم
شهيد الدار!
9 / 1 / 1447هـ
الحمد لله ولي المتقين، وناصر المؤمنين، أشهد بأنه الرب القادر، والإله المعبود، إله الأولين والآخرين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تعبد، أما بعد:
شهيد الدار، رابع أربعة في الإسلام، وصاحب الهجرتين، له خاتم نفش عليه: "آمنت بالذي خلق فسوى"([1]). وما مرت عليه جمعة إلا وأعتق رقبة لوجه الله، أصدق هذا الأمة حياء، استأذن ليدخل على رسول الله ﷺ وكان ﷺ مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فلما دخل جلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، قالت عائشة: يا سول الله دخل أبو بكر، فلم تجلس له، ثم دخل عمر، فلم تهش له، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، قال: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة"([2]) أنه عثمان بن عفان، الملقب بذي النورين، وزوج الابنتين: رقيةَ وأمِّ كلثوم، وسمي بذي النورين؛ لأننا لا نعلم أحدًا أغلق بابه على ابنتي نبي فتزوجهما غيرَه.
منحة ومحنة!.
وقعت على عثمان محنة عظيمة، وكروب شديدة، أستأذن عثمان بالدخول على النبي ﷺ، فقال ﷺ لأبي موسى: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه"، قال أبو موسى: فجئته فقلت له: أدخل وبشرك ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك، فقال عثمان: "الله المستعان"([3]).
أما هذه البلوى فقد أصابته I وهو شيخ كبير قد طعن في السن فبلغ الثمانين، وقد وقعت هذه الفتنة على يد عصبة من المنافقين المارقين، والأوباش الخوارج المتشددين، الذين أخذوا يؤلبون على عثمان I وهو خليقة المؤمنين.
ميلشيات مسلحة!
فجمعوا عليه من الدهماء، والمتعجلين الرعاع، وأخذوا يحرضون الناس بذكر مساوئه، والغض من حسناته، فاستطار شرهم، وملأ الأرضَ زكامُهم ونتنُهم، حتى كونوا ميليشياتٍ مسلحة، قدموا بها من مصر إلى المدينة النبوية موطن عثمان I، فوقفوا عليه وهو واقف يخطب الجمعة على منبر رسولﷺ فكان من سوء أدبهم، وقلة بصيرتهم، أنا قاطعوا عثمان I بالسب والشتيمة، حتى حصبوه بالحجارة فأدموه، وخر عثمان I مغشيًا عليه، محمولًا إلى بيته.
ثم انتفخ شرهم، وحاصروه في بيته، وقطعوا عنه الماء العذب، واضطروه إلى أن يشرب الملح الأجاج، بل حالوا بينه وبين أن يخرج إلى مسجده مصليًا بالناس، لكن صدق النبيﷺ يوم قال: "تهيج فتنة كالصياصي، فهذا ومن معه على الحق"([4])، وأشار إلى عثمان.
حصار وجدال!
ولما رأى عثمان طول حصارهم عليه، جادلهم وحاورهم، فقال لهم: " تعلمون أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال: "من يشترى هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة؟" فاشتريتُها من خالص مالي فجعلتُها بين المسلمين، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين؟! ثم قال: أنشدكم الله، أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا رومة، فقال رسول الله ﷺ: "من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدُلِيَّ المسلمين وله خير منها في الجنة؟" فاشريتها من خالص مالي، فأنتم تمنعوني أن أشرب منها؟! ثم قال: هل تعلمون أني صاحب جيش العُسْرَة؟ وقد قال ﷺ: "من جهز جيش العسرة فله الجنة، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم"([5]). وهم يقرون له بكل ذلك، لكن تعصبهم أغواهم، والشيطان أعماهم.
رؤيا عثمان في ليالي الحصار!
بقي الحصار أربعين ليلة، وفي آخر ليلة منها رأى عثمان I منامًا عجبًا، قال عثمان I: "إني رأيت رسول الله ﷺ في منامي هذا، فقال: إنك شاهد معنا الجمعة"([6])، وفي رواية قال: "إني رأيت ﷺ في المنام وأبا بكر وعمر وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة".
دفاع الصحابة عن الشهيد!
وكان من رحمة عثمان I بالأمة أنه منع أي أحد أن يدافع عنه، أو أن يقاتل ويذود عن دمه، حتى تقلد أبو هريرة I سيفه، ودخل الدار على عثمان يقول: "يا أمير المؤمنين طاب أمضرب"([7]) فقال له: "يا أبا هريرة أَيَسُرُّك أن تُقتَل الناس جميعًا وإياي؟" قال: لا. قال: "فإنك والله إن قتلت رجلًا واحدًا فكأنما قُتِل الناس جميعًا"، فرجع أبو هريرة ولم يقاتل ([8]).
بل إن الناس قاموا للدفاع عنه فقالوا: قد أمكنتنا البصائر فأذن لنا في جهادهم، فقال I: "أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل"([9]).
وإنما حمل عثمان على ذلك لعلمه أن الخوارج لا يريدون إلا دمه، وأنهم لو قتلوه لم يقتلوا أحدًا بعده، كما أنه لا يزال يتذكر نبوءة النبيﷺ وأنه يموت على بلوى تصيبه.
جمعة الدم!
استمر الحصار إلى صبيحة يوم الجمعة؛ من شهر ذي الحجة من العام الخامس والثلاثين بعد الهجرة، فلم يبق في الدار إلا عثمان وآلُه، وليس بينه وبين الخوارج مدافع ولا جند، وفتح رضي الله عنه باب الدار.
ثم نشر عثمان I مصحفه وأخذ يقرأ، وكان صائمًا، فدخل عليه أحد الخوارج فقال عثمان له: "بيني وبينك كتاب الله" فخرج الرجل، وتركه، وما إن ولّى حتى دخل آخر، يقال له: الموت الأسود؛ ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان I بيده، فقطعها، فقال عثمان: "أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل" وذلك أنه كان من كتبة الوحي، حتى تضافروا عليه فقتلوه، فانتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه، وسقطت قطرات دمه على قوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: ١٣٧([10]).
عن عَمْرة بنت أرطأة العدوية قالت: "خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة، ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حَجره، فكانت أول قطرة من دمه على هذه الآية (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) قالت عمرة: فما مات منهم رجل سويّا ([11]).
مصارع قتلة عثمان!
ولما بلغ سعدَ بنَ أبي وقاص قتلُ عثمان، استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، ثم دعا عليهم وقال: "اللهم أندمهم ثم خذهم"([12]). وقد أقسم بعض السلف بالله تعالى أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولًا.
ورى ابن كثير عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: "كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي! فقلت: يا عبد الله، ما سمعت أحداً يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت الله عهداً إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت، والناس يجيئون فيصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة، فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته وسجيته، وقد يبست يميني، قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود"([13]).
الخطبة الثانية
الحمد لله.
أحكام وحكم من القصة!
إن عثمان I ذو خلافة صحيحة بالإجماع، وقد قُتل مظلومًا، وإن قتلته فسقة، وإنما قتله همج رعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف والأرذال، تحزبوا وقصدوه من مصر حتى قتلوه رضي الله عنه ([14]).
ومن فقه عثمان: أنه رفض التنازل عن الخلافة، ولم يقبل مطالب الخوارج بالتنازل عنها ولو كان في ذلك ذهاب نفسه، مستحضرًا في ذلك أمر النبيﷺ فعن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "يا عثمان إنه لعل الله يُقمِّصُك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم"، قال النعمان بن بشير لعائشة: يا أم المؤمنين، فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: "يا بني، والله أُنسيته"([15]).
ومن فقه هذه القصة: خطورة تأليب الناس على الحكام، وسوء العواقب التي يؤديها تحريض الأوباش على ولاة أمورهم، والغالب أن المجاهرة بالإنكار على ولي الأمر يؤدي إلى تهييج فتنة عماء صماء، ولذا كان المشروع في الإنكار على الحكام أن يكون سرًّا.
قيل لأسامة بن زيد: ألا تدخل على عثمان فتكلمه، فقال: "أترون أني لا أكلمه إلا أُسِمعكم. والله، لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحبُّ أن أكون أول من فتحه"([16]).
ومن فقه القصة: أنه ومع قربها من عهد النبي ﷺ ذلكم العهد النقي، ناصع النقاء والوضوح والهداية، إلا أن كثيرًا من الناس أعماهم الباطل، ولم يبصروا الحق، حتى أزهقوا نفسًا هي من أطهر النفوس، وأعلاها كعبًا، فكيف بوقتنا هذا! عند اختلاج الفتن، واختلاط المفاهيم، وكثرة الظنون، عندها يوقن المرء أن لا خلاص إلا بكف اللسان، وسؤال الله الثبات والهداية، فالسعيد من جنب الفتن.
8 9 / 1 / 1447
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) يراجع في ترجمته سير أعلام النبلاء (2/449).
([2]) رواه مسلم.
([3]) متفق عليه.
([4]) رواه أحمد، وإسناده حسن، والصياصي الحصون والقلاع الكبار.
([5]) أصل الحديث في البخاري، وهو بطوله عند أحمد.
([6]) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
([7]) وأصلها طاب الضرب، ولكنها لهجة بعض قبائل جنوب الجزيرة.
([8]) الطبقات، لابن سعد (٣/ ٧٠)
([9]) تاريخ الإسلام (2/246).
([10])سير أعلام النبلاء (راشدون/206).
([11]) رواه أحمد في فضائل الصحابة (1/ 510) بإسناد صحيح.
([12]) البداية والنهاية، لابن كثير (10/320).
([13]) البداية والنهاية، لابن كثير (10/327).
([14]) انظر: شرح مسلم، للنووي (15/149).
([15]) رواه أحمد، وحسنه محققوه، والقميص إشارة إلى الخلافة.
([16]) متفق عليه.