مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:07:32

طبيبُ الحديث في علله

بسم الله الرحمن الرحيم

5 / 4/ 1442

" طبيبُ الحديث في علله "([1])

الحمد لله...

أميرُ المؤمنين في الحديث، وسيدُ الفقهاء، وشيخ المحدثين، وطبيبُ الحديث في علله، انتمى إلى العروبة ولاءً، إنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، والبخاري نسبة إلى بخارى، وهي اليوم أوزبكستان في آسيا الوسطى، دخل أهل بخارى في الإسلام أولَّ خلافة يزيد بنِ معاوية عام 61هـ خرج منها جماعة من العلماء في كل فن يتجاوزون الحد، ولد الإمام البخاري سنة مئة وأربع وتسعين.

فقدان البخاري بصره في الصغر.

وقد ذهب بصره في صغره فرأت والدته في المنام إبراهيم الخليل فقال لها: "يا هذه قد رد الله على ابنك بصره لكثرة بكائك أو دعائك"، فرد الله بصره لما أصبحت.

اشتغاله بالعلم منذ الصغر.

كان البخاري ذا ذكاء مفرط أعانه على طلب العلم وهو صبي، وكان أبوه من العلماء الورعين، وكان البخاري يشتغل بحفظ الحديث ولم تتجاوز سِنُّهُ عشرَ سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويَردُّ على بعضهم خطأه وهو صغير، فلما بلغ ست عشرة سنة كان قد حفظ العلم الكثير، كتب الناس عنه علم الحديث وما في وجهه شعرة، وكان الناس يَعْدُونَ خلفه في الطرقات، حتى يُجلسوه فيها فيجتمع عنده الآلاف.

البخاري آية في الحفظ والاستذكار.

اشتهر البخاري في عصره بالحفظ والعلم والذكاء، وقد وقعت له حوادث كثيرة تدل على حفظه، وكان يقول عن نفسه: "أحفظ مئة ألفِ حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألفِ حديث غير صحيح"

وكان البخاري وقت الطلب في الصغر يحضر مجالس المحدثين ولا يكتب، وكان أقرانُه يكتبون، وكانوا يلومونه على عدم الكتابة، فقال لهم: اعرضوا عَلِيّ ما كتبتم. فأخرجوا كل الذي كتبوه، فزاد عليهم البخاري خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلّها عَنْ ظهر قلب حتى جعلوا يصححون كتبهم من حِفْظِه.

وقال له بعضهم: قال فلان عنك لا تحسن أن تصلي، فقال: "لو قيل شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة"، حتى قال العلماء: "حديث لا يعرفه البخاري ليس بحديث"، وقال الإمام أحمد: "ما أخرجتْ خرسان مثلَ محمد بنِ إسماعيل" يعني: البخاري.

عبادته وورعه وصلاحه.

وكما جمع الإمام البخاري بين الفقه والحديث فقد جمع الله له بين العلم والعبادة، فقد كان كثير التلاوة والصلاة، وخاصة في رمضان فهو يختم القرآن في النهار كل يوم ختمة، وكان أحيانًا يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمَّها، فقد أبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعًا وقد تورّم من ذلك جسدُه فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ فقال: "كنت في سورة فأحببت أن أتمها".

البخاري مستجاب الدعوة.

وكان الإمام البخاري مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته العظيمة قال بعد أن فرغ من ورده: " اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك " فما تم شهر حتى مات.

وقال: "دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلم أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا".

الدقة العالية في تصنيف البخاري لكتابه الصحيح.

ألف البخاري الجامع الصحيح لسنة النبي، وقد اتَّبع منهجًا فريدًا متميزًا؛ فهو على الرغم من أنَّه الْتقى بألفٍ وثمانين راويًا وعالِمًا من رواة الحديث، وجمَع منهم حوالي ستَمئة ألف حديث إلا إنه صفّى هذه الأحاديث الضَّخمة، وذلك بإخضاعها إلى شروطٍ دقيقة بالِغة في الدِّقة؛ ليميِّز الصحيحَ منها، ويُبعِد ما لم تَثبت صحَّتُه لديه، وتُعدُّ شروط البخاري - في نظَر العلماء - أدقَّ شروط فرَضها عالمٌ على نفسه في تاريخ البحث العلمي.

حيث خرَّج أحاديثه بالسبر والتنقيح، وكان يسهر الليالي في ذلك، وكان البخاري يريد أن ينام فيتذكر شيئًا يريد معالجته في كتابه، فيقوم ويأخذ القدَّاحة ويُسرج السراج، ويُحصون عليه في الليلة الواحدة أنّه يقوم عشرين مرة يستذكر أشياء يُعلّقها في صحيحه.

وكان البخاري يصنع صنعًا عجيبًا إذا أراد توثيق أي حديث في كتابه، إذ كان يستخير الله عند الكتابة، قال البخاري عن نفسه: "ما وضعتُ فِي كتابي حديثًا إلَا اغتسلت قبل ذَلِكَ وصلّيْت رَكْعَتين"، وقال البخاري عن نفسه: "أخرجتُ هذا الكتاب من نحو ستّمائة ألف حديث، وصنَّفته في ست عشرة سنة. وجعلته حُجّةً فيما بيني وبين اللَّه".

قال الذهبي: "وأمّا جامعه الصحيح فأجلُّ كُتب الْإِسلَام وأفضلُها بعد كتاب اللَّه تعالى، وهو أعلى شيء فِي وقتنا إسنادًا للنّاس"،  لكن مَن جهِلَ شيئًا عاداه، ولا قوَّة إلَا بالله.

وكان من طلاب البخاري الإمامُ مسلم صاحبُ الصحيح، وكان يقول عن شيخه البخاري وهو بين يديه:" دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث فِي عِلَله"

وكان من طلاب البخاري الإمامُ الترمذي صاحبُ السنن وكان يقول عن شيخه: "لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان فِي معنى العِلَل والتّاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إِسْمَاعِيل".

وكان العلماء يعظمون القدح في كتابه الصحيح، حتى قال أحمد بن نصر:" البخاري أعلم فِي الحديث من أَحْمَد وإِسْحَاق بعشرين درجة، ومَن قَالَ: فِيهِ شيء، فمِنّي عَلَيْهِ ألف لعنة"

محنة البخاري وبلاؤه العظيم.

وقد وقعت للبخاري محنة عظيمة، وبلاء جسيم، وذلك أنه لما دخل البخاري نيسابور، ذهب الناس إليه، وأقبلوا على السماع منه، فحسده بعض الناس وتكلموا فيه، فشغبوا عليه في مجالسه، وأشعلوا الفتنة، حتى تفرق الناس، وقعد البخاري في منزله، وقد أظهر البخاري في هذه المحنة صبرًا لا مثيل له، فقد كان كثيراً من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك فيقول:(إن كيد الشيطان كان ضعيفًا) النساء: ٧٦  ، ويتلو أيضاً:(ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) فاطر: ٤٣.وقال له بعضهم: كيف لا ندعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويتهمونك؟  فقال: قال النبي : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض". رواه البخاري

البخاري يُمْنع من العلم والتحديث حتى مات.

فلما رجع البخاري إلى بخارى، لم يتركه الذين شغبوا عليه في نيسابور، فوشوا به عند أمير بخارى، فمنعه الأمير عن التحديث، فامنتع البخاري عن التحديث والعلم حتى مات، وظن خصومه أنهم سيمحون ذِكْرَه وكتبَه، ونسوا أن النبي قال: " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ" رواه الترمذي وصححه، فقد نظّر الله البخاريَّ حيًا وميتًا، وأبقى الله سمعته حسنة طرية ما بقيت سنة محمد جزاء ما قدم من حفظ السنة وشريعة الإسلام.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

لما مُنع البخاري من العلم خرج إلى سمرقند، ولما وقعت له محنته العظيمة قال: " اللهم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك" فما تمَّ شهرٌ حتى مات، وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر، سنة مئتين وست وخمسين، وعاش اثنتين وستين سنة، ولما توفي البخاري رُئِي في المنام بعضُ العلماء المتوفين، فسأله الرائي: هل رأيت البخاري؟ فقال: رأيته. وأشار إلى السماء إشارة كاد أن يسقط منها لعلو ما يشير.

قال النووي: "اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاريُّ ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاريِّ أصحُّهما وأكثرُهما فوائد"

نور الله باق، وسنته في نصرة أوليائه قائمة.

وقد خاب والله من تكلم في صحيح البخاري هوى وجهلاً، لأنه يتكلم في سنة النبي ، قال البخاري عن نفسه: "رأيت رسول الله وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذبُّ عنه، قال البخاري: فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح"([2]).

فلا يطعن في صحيح البخاري إلا من كدَّرته سنة النبي ، وشرق بالإسلام وغص بتعاليمه، وعلم أن القرآن لا يُفسر إلا بسنة النبي، فأراد إسقاط السنة حتى يحرف معاني القرآن بهواه، وبمذاهبه الفاسدة المنحرفة، وكلما طعن أحدٌ في البخاري، زاد عطره بين الناس، وحسُن عبقُه في الزمان.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]ينظر في ترجمته: تاريخ الإسلام للذهبي (6/140).

([2]تدريب الراوي (1/93).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة