مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:32:50

اليقين

بسم الله الرحمن الرحيم

اليقين

2/11/1445

الحمد لله... منزلةٌ من أعلى منازل العبودية، ومرتبةٌ لا تكون إلا بمجاهدة الخواطر، وعظيمِ الرجاء، إنها منزلة كالروح من الجسد، وبها تفاضل المجدون، وتنافس المتنافسون، وإليها شمر العاملون، إنها منزلةٌ تثمر كلَّ عمل صالح، وتُورق كلَّ علم نافع، وتُزهر كلَّ هدى مستقيم، إنها منزلة اليقين، منزلة اليقين، هي بوابة جنة النعيم، ودِعامة الشهادتين، قال:  Hلأبي هريرة: "من لقيت مِن وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبُه فبشره بالجنة"رواه مسلم.

معنى اليقين.

فاليقين أعلى درجات الإيمان، وأصفى عتبات الإحسان، ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(  البقرة، فما معنى اليقين؟ اليقين: " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، واليقين: العلم التام الذي يحملك على عمل الصالحات"([1]).

علامات أهل اليقين

يا عبدالله.  هنالك علاماتٌ متى ما تأتَّت وتحصَّلت كنت من أهل اليقين، الذين يرون كلَّ ما أخبر به الله، أو أخبر به رسول الله H، كأنه مُشَاهَدٌ بين أعينهم، من قوة إيقانهم، وجَلَد بصيرتهم بخبر الله ووعده الصادق.

-فمن علامات اليقين: ضعفُ أثرِ المصائب عليك، وهوانها على قلبك، فأنت دائمًا ما تدعو: "ومِنَ اليَقِينِ ما تُهوّنُ بِه عَلَيْنَا مصائب الدُّنيَا"، وأنت غالبًا ما تجأر: "وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، ولاَ مَبْلَغَ عِلمِنَا"([2]). وكلما كان اليقين عظيمًا كلما كان المصاب يسيرًا غيرَ جلل، والناس في ذلك مراتب، يختلفون باختلافهم يقينهم وتصورهم عن الحياة.

-ومن علامات اليقين: قلةُ وَلعِك على الفاني، وبرودُ حرصِك على الزائل، فأنت قصيرٌ أَمَلُك في الدنيا، تعلقك بالآخرة أعظمَ من تعلقك بفناءٍ عجول، لا تتشبث بُحطامها، ولا تتخذ منها موطنًا في سرابها، فأنت تعلم أنها دار ممر، وليست بسكنٍ ومقر، تعلم أنها بيت ابتلاء، وأنك فيها زائر، إنما تحتاج لزادِ الراكب، ومتاعِ المسافر (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) النساء: ٧٧.

-ومن علامات اليقين: راحةٌ عجيبة يجدها الموقن في قلبه، وطمأنينةً يجدها المؤمن في فؤاده، فحظوظ الدنيا إذا مرّت بجانبك فهي باردة، ولُعاعة العاجلة إذا رأتها عينُك فنفسك منها ساكنة، لا تُحاسد إخوانك، ولا تُعارك جيرانك، وتدعو بالخير، وتحب للناس راحة البال، وسلامة الحال. 

-ومن علامات اليقين: أن لديك غايةَ التوكل، وقوةَ الاعتماد، فعلى الله أمَلُك، وبالله خَلاصُك، تعلم أنك بالله يخاف منك كلُّ شيء، وأنك من دون الله تخاف مِن كلِّ شيء، قال ابن القيم: "ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه وكان مأمورًا بإزالته لأزاله"([3])، قال H لصاحبه في الغار أبي بكر الصديق I وقد أحدقت بهم الأخطار "ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا"، بحر متلاطمٌ إمامك، وعدو هائج خلفَك، وقلبُك مع كلِّ ذلك موقنٌ بنجاة الله، ونفسُك سابحة في غوث الله، وإن اضطرب الناس حولك في يقينهم، وإن جالوا بأبصارهم يتعلقون بقشة واهنة، وحالك كما قال الله للكليم، لما قال أصحابُه: ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(

-ومن علامات اليقين: أنك تنفق نفقة الأحرار، وتتصدق صدقة من لا يخشى من ذي العرش إقلالًا، لعلمك أن الرزق بيد الله، وأن البشر لا يملكون مثقال حبة من خردلة، إنما الله وحده المعطي، وبقوته الـمُغني، قد مَلأَتْ قلبَك آيةٌ، وغَطّتْ ناظريك بصيرةٌ، هي قوله تبارك وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات: ٥٨.

-ومن علامات اليقين: أنك لربك تخشع، وعلى طريقه المستقيم تخضع، مصليًا في المساجد، مسبحًا في المعابد، يراك أهلُك في البيت، وأنت قائم وساجد، قال الحسن البصري: "ما أيقن عبد بالجنة حق يقينها، إلا خشع ووجل وذلَّ واستقام واقتصر حتى يأتيه الموت".

-ومن علامات اليقين: أنك تقرأ القرآن على وَجَل، وتنظر في ملكوت الله على تفكر وتأمل وأمل، تأخذ من آيات الله الشرعية اعتبارًا، وتدرس من آيات الله الكونية تدبرًا وافتكارًا. (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(، واعلم أن قوة اليقين، لا تحصل إلا بكثرة قراءة القرآن، مع التدبر بنية الاهتداء به والعمل، وكلما قلت المعاصي عظمت البركة  بالقرآن، وما آمن العرب إلا بفهمه، ولا فتحوا الأقطار، ومصَّروا الأمصار، واتسع عمرانهم، وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته([4]).

مقاليد النجاة:

فيا عبد الله. لن تفر إلى الله حق الفرار، حتى تعلم علم اليقين أن الله ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الزمر: ٦٣، وأن الله ( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)  الشورى: ١٢، وأن الله ( فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ) الأنعام: ٩٥، وأنه لو شاء لأنجى عبيده من مظان الموت، وأسباب الردى، كما أنجى يونس من بطن الحوت، في ظلمات البحار، وقيعان المحيطات، وأنه لو شاء لجعل النجاة لك ولو كنت في بطن الصخرة، كما أنجى أهل الغار لما أطبقت عليهم الصخرة في تجويف جبل، فَدَعَوا الله بصالح أعمالهم([5])، فنجاهم الله (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ).

أقول ما تسمعون وأستغفر الله...

الخطبة الثانية:

خشبة تعبر البحر:

ومن عجائب الأخبار، ولطيف النوادر والآثار، هذه القصةُ الأعجوبة، والتي تحكي خبيئةَ آثارِ مَن عظُم يقنُه، واحتدت بصيرتُه فقد أخبر النبي : أن رجلاً من بني إسرائيل، اقترض ألف دينار، فقال الـمُقرض: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال الإسرائيلي: كفى بالله شهيدًا، فقال المُقرض: فأتني بالكفيل، فقال الإسرائيلي: كفى بالله كفيلا، قال الـمُقرض: صدقت، فدفع إليه المال إلى أجل مسمى، فلما جاء الأجل وحلَّ سداد الدين، خرج الإسرائيلي إلى ساحل البحر، والتمس مركبًا حتى يوصل المال لصاحبه، فلم يجد، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها صحيفة ورسالة، ومعها ألف دينار، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أَسْتَودِعُكَها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل الإسرائيلي جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، ولم يعلم أن بها ماله الذي أقرضه، فلما نشر الخشبة وجد المال والصحيفة. ثم بعد زمن قدم إليه الإسرائيلي ومعه الألف دينار، فقال الإسرائيلي-وهو لا يعلن أن خشبته قد أوصلها الله-: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا، فقال المُقرض: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ فقال الإسرائيلي: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدًا([6]).

فيا سبحان الله، أنْ يقف عبدٌ صادقُ التوكل أمام البحر، فيلقي برسالة فيها مال، فتعبر لُجَجَ البحر وأمواجَه، حتى تصل إلى منتهاها، كل ذلك في خشبة مزججة، لا ساعي لبريدها، ولا ناقل لأمانتها، إنما كانت برعاية الله، كما جرت سفينة نوح إذ قال الله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) القمر: ١٤ إنه أمر فيه غاية اليقين، وقوة التوكل، والذي قام على صدق اللَّجَأ إلى الله، وعظيم اليقين بما عنده.

عبد الله. امش في هذه الدنيا وأمَلُكَ واسع بالله.

عبد الله. إن الله يَذْكرُك كلما ذكرتَه، ويغفرُ لك متى دعوته.

عبد الله. إياك أن تُعلِّق كلّ رجائك بالناس، وتنسى ربَّ الناس، الذي قهرهم، وأذل رقابهم، فكن متمسكًا بوعد الله، فإن الناس يموتون (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) الفرقان: ٥٨.

 وتذكروا أن اليقين يدفع عقوبات الآخرة، وأنه لا حدَّ للعمل حتى يصل الإنسان إلى مرحلة اليقين بلقاء ربه، وهو الموت: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر: ٩٩  

اللهمَّ إنا نسألك إيمانًا تباشِر به قلوبنا، ويَقينًا حتى نعلمَ أنه لا يمنعنا رِزقًا قسمتَه لنا، ورِضًا من المعيشة بما قسمتَ لنا.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) تفسير السعدي (ص:40) بتصرف.

(1) رواه الترمذي (3502)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (402).

(1) مدارج السالكين (1/103) .

(1) انظر: تفسير المنار (9/463) .

(1) متفق عليه.

(1) والقصة في صحيح البخاري.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة