بسم الله الرحمن الرحيم
23 / 6 / 1442هـ
الهواء، بين البُشرى والعُقم والعَدوى
الحمد لله.
من ألطف مخلوقات الله، هو سرُّ قوامِ الحياة، لا يستغني عنه كلُّ كائن في الوجود، مخلوق من نعم الله المألوفة، وفي التحقيق القلوبُ عن دقيق صنعه غافلة مذهولة، منح الله به البقاء، وجعله لا يباع ولا يشترى، ولو سلط الله الإنسانَ عليه لباعه بأغلى الأثمان، ولظنَّ به لنفسه، وشحَّ بتملكه عن غيره، لكن الله برحمته جعله في كل مكان، لا يزاحم الحاضر، ولا يتعنَّى بحمله المسافر.
إنه الهواء...
هواء البشرى.
جعل الله هذا الهواء رياحًا طيبة، تحمل في طياتها البشرى (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) الأعراف: ٥٧، وتسوق إلى الإنسان المُزْنَ الكبرى (حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) الأعراف: ٥٧، ومع كون الهواء لا يكاد يُذكر وزنُه إلا أنه يَحمِل الجبال من السحاب الثقال ( وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) فلا إله إلا الله، كيف مكَّن الله لهذا المخلوق اللطيف نقلَ المياه من ظُلَمِ المحيطات حتى يسقطها على الأراضي اليابسات، وكيف جعل هذا الهواء مؤثرًا في تشكيل السحب، ورسمِه في السماء أعاجيب الصور النور: ٤٣.
وأسلَمْتُ وَجْهي لِمَنْ أسلَمَتْ
لَهُ الْأَرْضُ تحملُ صَخرًا ثِقَالًا
وأسلمتُ وجْهِي لمنْ أسْلَمَتْ
لَهُ المُزْنُ تَحْمل عَذْبًا زُلالًا
هواء التلقيح.
وقد وصف القرآنُ لنا عملية تقطير المياه المالحة من المحيطات إلى السماء، إلى السحاب، إلى أن تصل إليك في فمك، عذبة نقية وصفها الله -جل في علاه- بعملية التلقيح (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) الحجر: ٢٢، وتأمل قوله: (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ)، ففيها إشارة إلى أن المُسْقِي هو الله، وأنه بقدرته غيَّر تكوين الملوحة إلى العذوبة، ومن الأُجاج إلى الفُرات، بما سخَّر من أسباب قدرته وعلمه وخبرته.
كما أن قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) إشارةٌ إلى أن الرياح تقوم بعملية التلقيح الريحي للنباتات، وأن الهواء سبب في تلقيح الشجر وإخراج الثمر، فيَنْقُل بإذن الله غَبَرَةً دقيقةً من الذكر إلى الأنثى([1])، (مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) النمل: ٦٠
فاللهم املأ قلوبنا إيمانًا بك
وأفئدتنا تفكرًا في عجيب صنعك، وارزقنا بذلك التمسك بدينك، واليقين بشرعك
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
هواء العُقْم.
ومن قدرة الله أن جعل نوعًا من الهواء عقيمًا، ليس بين يديه إلا الجفاف والخَوَاء، لا يُلقِّح سحابًا ولا شجرًا، ولا رحمة فيه ولا حَدَرًا، ( وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) الذاريات: ٤١ - ٤٢، إنها ريح الجنوب إذا طلَّت هبائبها، والتي قال عنها الرسول ﷺ: " وأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ"([2])، ريحٌ لا تُثمر نسْلاً ولا تملأ درًّا، بل هي عقيم مقيم، ولا أبلغ من هذا الوصف(الريح العقيم) الذي بوصفه يتكوَّنُ منتهى الشؤم، بل إنها تجعل كلَّ شيء كالرميم (العظام البالية)، ووصفها الله في الأحقاف (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) الأحقاف: ٢٥.
فانظر عبدَالله إلى عجيب صنع الله، وكيف أنه جعل من مخلوق واحد: رحمةً وعذابًا، وأُنْسًا وحِرَابًا، هذا المخلوق الذي يلاطف وجهك، جعله الله بقدرته ماحقًا لكلِّ مَنْ عليها.
موعظة وتذكرة.
فليحذر أهل الإيمان أن يحل بهم غضبُ الله ومقتُه، وليعتبروا بالأمم وكيف جاءهم العذاب من مخلوق هو سبب الحياة والبقاء، فكان سببًا للانعدام والفناء، وليبتعدوا عن موجبات النِّقم، وليشكروا الله مُولِي النعم "وإن الله ليس بينه وبين أحدٍ نسبٌ إلا بطاعته، فالناس شريفُهم ووضيعُهم في ذات الله سواء، الله ربهم، وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة"([3]).
هواء العدوى.
ثم تأملوا كيف جعل الله الهواء ناقلاً من نواقل العدوى، حاملاً من حوامل المرض، تنتقل العدوى في قطرات رذاذ صغيرة تطفو على الهواء لدقائق أو ساعات.
ومن هذه الأمراض الوبائية: الحصبة، والسُّل، والجدري، وأخيرًا: كورونا([4])، الذي جعل العالمَ في حالة حيرة وإرهاق، والاقتصادَ في درجة ترنح وإغلاق، حتى جثم على الناس وجعلهم حبيسي البيوت من دون قيد أو غِلٍّ أو ميثاق، فهل بعد ذلك يستهين العبيد بأوامر الجليل، وهل بعد ذلك يستخف الناس بوعيد رب الناس.
أعظم أسباب الوقاية.
وإن من أعظم الأسباب الوقائية من هذا الوباء التوبة "فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي - رضي الله عنه -: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة" ([5])، ثم خذوا الأمر بجدٍّ، والتزموا تباعدَكم، وعقِّموا أيديكم، واحملوا سجاجيدَكم، وارتدوا أقنعتَكم.
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) الطلاق: ٢
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) جاء عن ابن عباس وغيره أن الآية دالةٌ بمعناها على عمليتي التلقيح: للسحاب والشجر. كما نقل ذلك القرطبي في تفسير آية الحجر.
(1) رواه مسلم.
(1) من وصايا عمر-رضي الله عنه- البداية والنهاية (7/42)
(1) موقع وزارة الصحة السعودية.
(2) الجواب الكافي، لابن القيم (ص:74).