بسم الله الرحمن الرحيم
من غرائب الآيات والبراهين
"من وحي قصص آل فرعون"
26 / 1 / 1443هـ
إن الحمد لله... قال تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) الأعراف: ١٧٦، فإن في الأخبار ملاذًا للتذكر والادِّكار، وإن من أعجب ما حاكه الزمن، وقصه الوحي الصادق أخبار آل فرعون مع آيات الله عليهم...
حالةُ آل فرعون بعد إيمان السحرة.
لما آمنت السحرة بموسى وعصاه، ورجع فرعونُ مغلوبًا "مكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرةَ أربعين عامًا"([1])، فتابع الله عليهم الآيات بعد العصا، فلم يزدهم ذلك إلا أنهم قالوا لجهلهم: (مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الأعراف: ١٣٢ ، وهذا ينمُّ عن عقلية متجبرة متسخطة متعالية عن الحق وأهلِه.
الآيات الخمس البينات المتتابعات.
فأرسل الله إليهم خمس آيات متتابعات، هي من عجائب الآيات التي وقعت على هذه الأرض، ولولا أن الله أخبر بهذه الآيات لكان من الصعب تصورها، قال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ) الأعراف: ١٣٣ ، وقوله: (آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ) أي: يتبع بعضها بعضًا، وكانت كلُّ آية أشدَّ من الآية قبلَها، كما قال تعالى: (وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا)
الآية الأولى: الطوفان، وهو الماء الهادر، وكان من جهتين: من جهة السماء، فأصابهم المطر الشديد، وتوالى عليهم حتى هدم بيوتهم، ومن جهة نهر النيل، حيث فاض عليهم، وطما مزارعهم، فهم يهربون من الماء إلى الماء، ثم رفعه الله عنهم، ولم يحدثوا توبة، ولم يؤمنوا، فأقاموا شهرًا في عافية، فبعث الله عليهم:
الآية الثانية: الجراد، وهو مخلوق عجيب، جندٌ من جنود الله، وهو من أعظم أسباب القحط، وكانت العرب تقول: "لا نَجاءَ مع الجراد"([2])، فأكل عامةَ زروعِهم وثمارِهم حتى أكل الأبواب وسُقُفَ البيوت والخشب، ثم رفعه الله عنهم، ولكنهم عادوا إلى أعمالهم السوء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم بعث الله عليهم:
الآية الثالثة: القُمَّل، وهو القمل المعروف([3]) "في شعر الرأس وفي جلد الجسد يتكون من تعفن الجلد لوسخه ودسومته"([4]) فلم يُصابوا ببلاء كان أشدَّ عليهم من القمل، حتى أخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبَهم كأنه الجدري، فرفعه الله، ثم نكثوا إلى أخبث أعمالهم، فأقاموا شهرًا في عافية، فأرسل الله عليهم:
الآية الرابعة: الضفادع، وكان حديثُها عجبًا، حيث تكاثرت في وهلة، فامتلأت منها بيوتُهم وأفنيتُهم وأطعمتُهم وآنيتُهم، فلا يكشف أحدٌ إناءً ولا طعامًا إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يهم أن يتكلم فيثب الضفدع إلى فيه، وكان من كثرته يُوطَأ في البيوت وعلى الأزقة حتى تَقذَّر به الناس، بالإضافة إلى نقيق الضفادع الذي يحقق التلوث السمعي، مما قد يودي إلى إزعاج الجنون، ثم رُفع عنهم، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم نقضوا العهود وعادوا إلى كفرهم، فأرسل الله عليهم:
الآية الخامسة: الدم. وذلك بأن بُلو به بلاء عظيمًا لا يطاق ولا يُحتمل، حتى سال النيل عليهم دمًا ولا يستقون من الآبار إلا وجدوه دمًا عبيطًا أحمر، فكانوا لا يشربون إلا دمًا، ولا يطبخون إلا بدم، حتى تسلط عليهم الدم فخرج من أنوفهم وهو الذي يُعرف بالرُّعاف.
ازدياد بني إسرائيل تكبرًا.
والعجب الذي لا ينقضي بعد ذلك كلِّه أنَّ تتابع هذه الآيات لم يزدهم إلا قسوة في قلوبهم وتجبرًا وعنادًا، كما قال تعالى: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ )، فليس أشدُّ جرمًا من رجلٍ أمهله الله، ثم أراه قوته، ثم هو بعد ذلك لا يزداد إلا تحجرًا في قلبه وقسوة.
الآية التي ذلَّوا لأجلها.
ومع كل ذلك البلاء، وكلِّ تلك البراهين والدلائل إلا أنهم استمروا في طغيانهم يعمهون، فأرسل الله عليهم عذابًا أكلهم أكلاً، ونكالاً حصدهم حصدًا.
فما هو هذا العذاب؟ إنه الرجز، قال تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ) الأعراف: ١٣٤، ولاحظ كيف قالوا: (يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ولم يقولوا: (ادع لنا ربنا) لأنهم لم يؤمنوا بتوحيد الله، بل هم يؤمنون بتعدد الآلهة، فلهم ربٌّ، ولموسى ربٌّ.
ثم أرسل فرعون وعدًا من خلال قومه إلى موسى بأنه إنْ كشف الرجز سيخلِّي بني إسرائيل عن العبودية، فكان هذا الوعد: (لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)
والرجز: لم يذكره الله من جملة عذاب: الطوفان والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، بل جعله منفصلاً؛ لأن هذه الآيات لم تكن بقوة الرجز، ولأن الآيات الماضية لم تزدهم إلا استكبارًا، أما نزول الرجز عليهم فجعلهم يقولون: (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) "فهم قد خامرهم من كثرة ما رأوا من آيات موسى أن يكون لموسى ربٌّ له تصرف وقدرة"([5])، فما هو الرجز؟ الرجز هو الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس، حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد فأمسوا وهم لا يتدافنون، قال ﷺ: " الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ علَى طَائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ " رواه البخاري.
فاللهم إنا نعوذ بك من طمس القلوب، ونعوذ بك من عذابك ورجسك إلهَ الحق
اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار
وأنزل علينا موجبات رضاك عنا
الخطبة الثانية: الحمد لله...
الهلاك الأخير.
ولما كان فرعون وقومُه كَذَبَةً في وعودهم، فلا آمنوا بموسى بعد الرجز، ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمروا على كفرهم وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين، وقد كان الله كشف عنهم العذاب من قبلُ مراتٍ وكراتٍ حتى بلغوا الأجل المؤقت والهلاك الأخير، فانتقم الله منهم بعذابٍ أعظمَ عذاب، وبموتة أعظمَ الموتات شدة، ألا وهي موتةُ الغريق، فأغرقهم في اليم، واليم: البحر الذي لا يدرك قعرُه، ولا توصف لُجَجُه، فقال الله: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)
الغفلة سبب جناية النفوس على نفوسها.
ولعل سؤالاً يرد على الخاطر، وهو: ما سبب إعراضهم مع أنهم رأوا الآيات الضخام، بل رأوا النجاة في كل مرة؟ لا جواب لذلك إلا داء الغفلة، وعدم الاعتبار بآيات الله وبيناته، كما قال الله عنهم: (وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) الأعراف: ١٣٦.
فيا عبدالله. هذه آيات الله: في شمسه وقمره، ونجومه، (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الذاريات: ٢١ ، وفي كتابه (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ) النساء: ٨٢.
وكذلك داء آخر: هو داء التقليد، حيث كان يقلد بعضهم بعضًا في عدم الالتفات لآيات الله البينات، كما يفعل كثير من الناس اليوم، فتراهم كسِرْب القَطَا يتبع بعضهم بعضًا، ولا يقف الواحد منّا مع حاله وواقعه ويبصر إلى أين تجاهه؟ وإلى أين مصيرُه؟ قال ابن مسعود:" لا يكوننَّ أحدكم إمَّعة، قالوا: وما الإمَّعة؟ قال: يجري مع كلِّ ريح"([6]).
فاللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) تفسير القرطبي (7/267).
([2]) قاله البراء بت عازب. انظر: التنوير شرح الجامع الصغير (11/167)
([3]) اختاره السعدي خلاف الأشهر أنه الدباء، واختياره أقرب لظاهر اللفظ (ص:301).
([4]) التحرير والتنوير (9/69)
([5]) التحرير والتنوير (9/71).
([6]) إحياء علوم الدين (3/153).